
ركب الطيارة ورأسه بين إيديه، صوت صراخ أخته في التليفون بيتردد في وذنه زي الجرس: *”المحكمة بعتت قوة تنفيذ… أخدت أحكام نهائية على كل ممتلكاتك وحساباتك في مصر!”*
طول رحلة الطيران من الرياض للقاهرة، كان قاعد مش حاسس . الذل والملاطمة اللي أكلهم في السعودية وفي مطار القاهرة كانوا كفيلين يهدوا جبل، لكن خبر ضياع شقته وتحويشة العمر اللي حطها في مصر كان الصفعة الأخيرة اللي جردته من كل شيء.
هو كان فاكر زمان إن الخلع مجرد طريقة عشان هي “تخلع” وتجري، وما كانش يستوعب إن القانون الشرعي والدستور المصري بيدي للزوجة المطلقة أو المخلوعة بعد سنوات الأذى والغياب حقها الكامل في المطالبة بنفقة المتعة (عن سنوات الصبر والظلم)، ومؤخر الصداق المكتوب في القصر الشرعي، ونفقات سابقة عن سنين الهجر! أهله طوال سنين غيابه كانوا بطنشوا الاستدعاءات والإعلانات، فالأحكام صدرت غيابية وباتت واجبة التنفيذ فوراً بعد انقضاء مواعيد الاستئناف!
أول ما حطت طيارته في مطار القاهرة، خرج وهو بيسحب شنطته بخطوات مكسورة، خايف حتى يرفع عينه في وشوش الناس، حاسس إن كل الناس بتبص له وتعرف إنه الراجل اللي ساب مراته “معلقة” عشان يعاقبها، فربنا عقابه في صحته، وشغله، وماله، وكرامته.
وصل المنطقة القديمة في الظلمة. الشارع كان هادي. لما قرب من عمارتهم، شاف الشمع الأحمر محطوط على باب شقته القديمة اللي كان ناوي يرجع يعيش فيها! الشقة اتعاينت وتم الحجز عليها للبيع في المزاد العلني لاستيفاء مستحقاتها المادية ونفقاتها المتروكة!
دخل بيت أهله، أمه كانت قاعدة على الكنبة بتعيط وتلطم على وشها، وأخته واقفة مستنياه بوش أصفر ودموع جافة.
أول ما شافهم، انهار وقعد على الأرض عند الباب، وصرخ بصوت مبشوح:
“عملت إيه؟! أخدت الشقة؟! أخدت شقا عمري في السعودية؟! الفلوس اللي تعبت فيها سنين راحت في لحظة؟!”
أخته بصت له بقسوة وقالت له بصوت ناشف:
“أنت اللي عملت في نفسك كده! المحامي جاب لنا صورة الأوراق والمستندات… الحكم صدر من سنة كاملة لأنك أهملت ونفضت للقضايا! المحكمة اعتبرت هجرك لها وتسببك في أذاها النفسي بدون وجه حق موجباً للتعويض والمؤخر بكامل قيمته وبسعر السوق الحالي! المحامي قال لنا بالحرف: ‘أخوكي افتكر إنه شاطر لما سابها، بس هي سابت القانون ياخد لها حقها بالمليم’.”
الزوج القديم مسك شعره وبدأ يصرخ ويكلم نفسه زي المجانين:
“مش هسيبها! والله ما هسيبها! هروح لها الدوحة… هسافر قطر! هفضحها في شغلها وشغل جوزها! مش هسيبهم يتهنوا بفلوسي ولا بحياتهم!”
في اللحظة دي، أمه قامت وقفت بالعافية، وقربت منه ورفعت إيدها وضربته بصفعة هازت وشّه!
الصفعة كانت تقيلة، صفعة أم مكسورة من ابنها اللي ضيع نفسه وضيعهم معاه.
أمه صرخت فيه والدموع نازلة من عينيها:
“اخرس! اخرس يا بلاء! أنت إيه؟ أنت مش بني آدم؟! أنت ما بتشبعش هزائم وفضايح؟! عايز تروح قطر تعمل إيه؟! تروح يتحبس هناك وتتقبض عليك بتهمة التهديد والدخول بغير صفة؟! طارق والست عايشين في نعمة وعز وراحة بال لأنهم اتقوا ربنا، وأنت بقيت مأوى للغل والشر! أرضى باللي جرى لك واستغفر ربنا، بدل ما ربنا ياخد بقية صحتك وعقلك!”
الصفعة دي صحته للحظة من الغيبوبة اللي كان عايش فيها. بص لأمه، وشاف كسرتها ودموعها، وبص لأخته اللي بقت تبص له بقرف واشمئزاز.
دخل أوضته القديمة، اترما على السرير الساقع، وغطى وشّه بكتفيه.
طوال الليل، كان بيسمع صوت عقله بيحاكمه. يتذكر كلامه زمان لأهله بصوت مليان غرور: *”أنا مسافر، ومش راجع مصر أعيش معاها… وهي بقى تستنى، خليها معلقة عشر سنين.”*
ويتذكر كلام طارق في المطار: *”شفت مين فينا اللي اتحبس في الآخر؟ أنت اللي حكمت على نفسك بالسجن والفضايح.”*
أدرك إنه كان السجين الحقيقي طوال الأربع سنين دي. هي كانت عايشة، بتكبر، بتتجوز، بتخلف، وبتسافر وتتمتع بالحلال، وهو كان محبوس جوه عقليته المريضة وفكرته الخايبة.
عدّت الأيام…
عرض الشقة للبيع في المزادات القانونية قرب، والفلوس راحت لزوجته السابقة بالكامل مع التعويضات، واستلمت كل حقوقها القانونية وهي قاعدة في بيتها المكرم في قطر، من غير ما تتعب ولا تنزل مصر ولا تشوف وشّه!
وبعد شهرين من القهر والندم، كان قاعد في قهوة صغيرة بعيدة عن منطقته، مش عايز حد من أصحابه القدامى يشوفه. دقنه طالت، هدومه بقت دبلانة، والقرشين اللي باقيين معاه من السعودية بيخلصوا.
وفجأة… شاف تليفونه بيرن.
الرقم كان غريب… رقم مصري.
فتح الخط بملل وبصوت ميت:
“ألو…”
جاله صوت محامي طارق والزوجة، محامي هادي وراسي، قال له بوضوح:
” الأستاذ (فلان)؟”
رد بالراحة:
“أيوه… خير؟ عايزين منّي إيه تاني؟ ما أخدتم الشقة والفلوس والقضايا وكل حاجة!”
المحامي رد عليه بكلمات كانت هي الستار اللي بيترفع عن الفصل الأخير من حياته:
“أنا بكلمك بطلب شخصي من موكلتي، الزوجة السابقة للباشمهندس طارق… بعد ما استلمت حقوقها القانونية والمادية بالكامل من المزادات والأحكام، بعتت لي توكيل خاص. هي قررت تتنازل عن باقي القضايا الفرعية وبلاغ الاعتداء اللي كان معمول لك في مطار القاهرة، وبعتت لك المبلغ المتبقي من قيمة الشقة بعد استيفاء حقها، وفوقيهم رسالة صغيرة مكتوبة بخط إيدها…”
الزوج القديم اتسمر في مكانه، الدموع جمدت في عينيه، ورجله بدأت ترتعش.
قال بصوت مكسور ومبشوح:
“رسالة…؟ رسالة إيه؟!”
المحامي فتح المظروف وقرأ له الرسالة النصية اللي سابتها له الزوجة قبل ما تقفل صفحة حياته معاه للأبد… رسالة هتكون هي القاضية والمفاجأة الكبرى اللي هتحسم كل شيء في الجزء الخامس والأخير!
ساد الصمت في التليفون، والزوج القديم مسك سماعة الموبايل بإيد بترتعش وشفتين جافتين. كان حاسس إن كل أنفاسه اتجمعت في لحظة سماع الرسالة دي، الرسالة اللي هتكون آخر خيط بيبرمه الماضي مع الحاضر.
المحامي أخد نفس عميق، وبدأ يقرأ كلامها بصوت هادي وواضح:




