
بعد مرور ستة شهور كاملة على يوم المحكمة المشهود، كانت الحياة قد انتظمت في مسارها الصحيح وهدأت العاصفة تمامًا. الشقة الكبيرة اللي كانت تجمعني بحازم بقت مجرد ذكرى بعيدة، بعد ما أنهيت إجراءات الطلاق بشكل رسمي، وخرجت من التجربة دي بدرس غالي وقوي: إن الكرامة وسلامة الروح أغلى بكتير من أي ضغط مجتمعي أو محاولة لإرضاء ناس ما تقدرش الأصل.
أما بيت أبويا في المصيف، فكان هو بطل الحكاية الحقيقي. بعد ما انتهيت من تصليح باب الجنينة وجزء السور اللي تضرر من محاولة الحرق، وتكفلت شركة الصيانة بكل التلفيات على حساب التعويض المالي الضخم اللي دفعته حماتي وبنتها بحكم المحكمة، رجع البيت أحسن وأجمل بكتير ما كان.
يوم الخميس اللي فات، قررت أخد أجازة من شغلوسافرت لوحدي للمصيف. فتحت باب الجنينة، وريحة الياسمين والزرع الأخضر اللي رويته واعتنيت بيه استقبلتني كأنها بترحب بيا وبتقولي “أهلاً بكي في بيتك”. دخلت جوه الصالون، ولقيت سجادة جدتي الله يرحمها منضفة ومغسولة بعناية ومتعلقة على الحيطة في مكان بارز وآمن، وكأنها بتشهد على انتصاري وبقايا طهارة المكان.
قعدت في البلكونة اللي بتطل على البحر، ومعايا كوباية القهوة بتاعتي، وكنت بفتح الشنطة علشان أطلع كتاب أقراه، وفجأة عيني وقعت على ظرف أبيض صغير محشور في جيب الشنطة الداخلي. استغربت لأن مكنش فيه أي ورق غريب معايا، وفتحته بسرعة.
كان جواه جواب مكتوب بخط إيد حازم، وواضح إنه سابه لي يوم المحكمة بطريقة ما من غير ما أحس. فتحت الورقة وبدأت أقرأ الكلمات المكتوبة بدموع الندم:
> “سعاد… عارف إن الكلام ملوش قيمة بعد اللي حصل، وعارف إنك مش هتقبلي مني أي اعتذار. أنا بس حبيت أقولك إني سافرت لمكان بعيد أشتغل وأبدا من جديد، بعيد عن أهلي وتأثيرهم اللي دمر حياتي. شكرا لأنك كنتِ أستر وأطهر إنسانة دخلت حياتي، وآسف لألف مرة على كل دمعة نزلت بسبب غبائي. أتمنى تسامحيني في يوم من الأيام… حازم.”
قلبت الورقة بهدوء، وحطيتها على الطرابيزة قدامي، ومن غير ما أحس باي غضب أو حقد، حسيت بس بالسلام والصفاء. طبطبت على قلبي اللي اتعرض لاختبارات قاسية وعدى منها أقوى وأصلب.
البيت كان هادي، وصوت موج البحر كان بيعزف أحلى ألحان الاستقرار. أدركت في اللحظة دي إن كل عاصفة بتمر بحياة الإنسان بيكون هدفها الحقيقي تنضف حياته من الناس الغلط، وترجع له نفسه الحقيقية.
قمت وقفت، وبصيت للسماء الصافية، وابتسمت وأنا حاسة إن تعب أبويا الله يرحمه في ميزان حسناته، وإن بنته قدرت تحافظ على وصيته للنهاية.
ولسه الحكاية مفيهاش نهاية، لأن الحياة الطيبة والصافية لسه في أولها!
بعد مرور سنتين كاملين، كانت الحياة قد ابتسمت لي بطريقتها الخاصة وعوضتني عن كل يوم وجع وقهر عشته في الماضي. شغلي في إدارة المشاريع الهندسية بقى بينمو ويتوسع، وقررت أخد خطوة جديدة ومهمة طال تأجيلها: تحويل جزء من جنينة بيت المصيف لورشة فنية ومتحف مصغر يضم أثرات وتراث والدي الله يرحمه وكل ذكرياته، عشان يفضل مكانه دايماً حي ومنور بكل سيرة طيبة.
في يوم الجمعة، كنت واقفة في الجنينة بتابع العمال وهما بينسقوا أحواض الزهور الجديدة، وريحة الورد الطبيعي مالية المكان، لقيت تليفوني بيرن برقم مجهول. استغربت ورديت بصوت هادئ:
— ألو، مين معايا؟
جاني صوت ناعم ومتردد، صوت ست أول مرة أسمعه، بس كان مليان احترام وخجل:
— أزيك يا سعاد هانم… أنا آسفة إني بتصل بيكِ بشكل مفاجئ، بس أنا مرآة حازم… أو يعني، مراته الجديدة.
الكلمة خلتني أقف مكاني للحظة، وحسيت بغصة خفيفة مش من الغيرة ولا الندم، لكن من المفاجأة. ردّيت ببرود وثبات:
— أهلاً وسهلاً… خير يا مدام؟ في حاجة تخص حازم أو أهله؟
قالت بصوتها الهادئ والمكسور شوية:
— لا، اطمني خالص… حازم اتغير تمامًا من ساعة ما سافروا واشتغلوا برة، وبعد ما أهله دخلوا وقضوا مدتهم وبُعدوا عنه تمامًا. هو اتجوزني من سنة، ومن يوم ما اتعرفنا وهو بيحكي لي عنكِ وعن شجاعتك، وعن قسوة أهله وظلمه ليكي. هو بيكتب لي كل يوم ويقول لي إنه بيدعي لك بالخير، وإن توبته نصوحة. وأنا متصلة بيكِ بنفسي عشان أعتذر لك نيابة عنه عن أي ذرة وجع سببها لك زمان، وعشان أقول لك إننا سافرنا نهائيًا لبلد بعيد، ومش هنتدخل في طريقك أبدًا.
سكت ثواني معدودة، وبصيت للأشجار والورد اللي زرعته بإيدي، وحسيت بقلبي فاضي تمامًا من أي حقد أو غضب قديم. ردّيت عليها بصوت دافئ ومريح:
— متشكرة يا مدام على اتصالك وعلى ذوقك. سلمي عليه، وقوليله إن صفحة الماضي اتقفلت للأبد، وربنا يوفقه في حياته الجديدة، وأنا كمان فتحت صفحة جديدة ومفيش في قلبي غير السلام.
قفلت التليفون، وخدت نفس عميق حسيت بيه إن هوا البحر كله دخل صدري ونظفه من أي تراب قديم.
بصيت لبيت أبويا الشامخ، ولقيت نفسي ببتسم بكل رضا وسعادة وأنا حاسة إن كل حاجة رجعت لمكانها الصح.
النهاردة، وأنا واقفة في جنينة بيت أبويا، كنت بتابع العمال وهما بيعلقوا لافتة خشبية صغيرة على الباب الرئيسي للبيت، مكتوب عليها بحفر دقيق: **”دار الأب.. ريحة الطيبة والذكريات الطاهرة”**.
الشمس كانت بتغرب وبتعكس ألوانها الذهبية على جدران البيت وشجر الياسمين، والهواء كان بيلعب بخصلات شعري في هدوء تام. ريحة القهوة المظبوطة في فنجاني الصغير كانت مالية المكان، وحسيت براحة غير مألوفة، راحة كأنها حضن أبويا الله يرحمه وهو بيطبطب على كتفي وبيقول لي: “رفعتي راسه يا بنتي، وحافظتي على أمانتي للنهاية”.
المحلات والذكريات القديمة بقت ورا ضهري، وكل صفحة سوداء اتكتبت في حياتي غسلتها الأيام وبقت مجرد عبرة لقصة نجاح وقوة. مبقاش جوه قلبي مكان لا للخوف، ولا للوجع، ولا حتى للغضب القديم؛ بقى فيه بس حب نقي لكل شبر في المكان ده، وإيمان كامل بأن ربنا دايماً بينصر الحق ولو بعد حين.
قعدت على كرسي الخيزران في البلكونة، بصيت للبحر اللي بيمد مياههم لحد أفق بعيد ومجرد من أي شوائب، وابتسمت لنفسي في صمت وأنا بقول:
**حق أبويا رجع، وبيت الطيبة فضل شامخ، والحياة الحقيقية… لسه في أولها!**




