عام

حكايات اسما السيد 1

“دي يا سيدي حسابات شغلك القديم، وشغل ندى اللي سابته عشان تفرغ لبيتك وعيالك بناءً على اتفاقكم. ندى سابت وظيفة ثابتة بمرتب محترم، وحطت كل مدخراتها معاك لما جيت تفتح شركتك الصيرة من أربع سنين. الأوراق دي بتثبت إن 40% من رأس مال الشركة دي ملك لندى قانونًا، وبشيكات وأوراق موثقة إنت موقع عليها بنفسك زمان لما كنت محتاجها.”

أحمد ألوانه اتغيرت، أحمر وأصفر، وقال بسرعة:

“بس دي فلوس الحياة الزوجية! وإحنا واحد!”

ابتسم الحاج عبد الله ابتسامة خفيفة وقال:

“ده لما تكون إنت وإياها واحد فعلاً. لكن لما تطلع وتقولها بكل عين قوية ‘إنتِ ما تستحقينيش ولا تستحقي تصيفي لأنك مبتشتغليش’، يبقى لازم نعرف مين اللي بيشتغل ومين اللي بيصرف، ومين اللي حقه متاكل.”

في اللحظة دي، دخلت ندى المطبخ.

كانت لابسة طقم أنيق، شعرها متظبط، ووشها مش باين عليه أي آثار تعب ولا إرهاق من بتوع كل يوم. مفيش الهالات السودا اللي تحت عينها، ومفيش المريلة المبلولة بتاعة الرضاعات. كانت واقفة بثبات، بصت لأحمد في عينيه مباشرة، من غير خوف ولا تردد.

أحمد بص لها بذهول، مش عارف يتعرف على الست اللي قدامه.

“ندى؟ إيه اللي بيحصل هنا؟ إنتِ مكلمة أباكي وجايباه يهددني في بيتي؟”

قربت ندى، وقفت جنب باباها، وحطت ايدها على ظهر الكرسي بثبات وقالت بصوت هادي وواضح:

“ده مش بيتك لوحدك يا أحمد. ده البيت اللي أنا شاركت في تمنه، واللي أنا شايلاه على كتافي 24 ساعة في اليوم. إنت قلتلي إن اللي بيشتغل وبيصرف هو بس اللي يستحق… وأنا جيت أقولك إن شغل البيت ورعاية تلات أطفال 24 ساعة، لو جيبنا شركة رعاية وتدبير منزلي تعملهم، هيتكلفوا أكتر من مرتبك اللي بتتباهى بيه كل يوم.”

أحمد وقف بعصبية وقال:

“إنتِ بتعيريني؟ ولا بتسبلي حساب بالساعة؟ إنتِ مراتي وده واجبك!”

ردت ندى بمنتهى الثبات:

“كان واجبي لما كان في احترام ومشاركة. لكن لما تروح تصيف في الساحل وتسيبني أرقص مع تلات أطفال ليل نهار، وتقول إنني ‘ماستحقش’، يبقى الاتفاق القديم انتهى.”

الحاج عبد الله خبط بإيده على الترابيزة خبطة خفيفة جذب بيها انتباه أحمد تاني، وقال:

“الشركة اللي إنت مسافر تبسط نفسك بفلوسها، ندى طلبت رسمياً عن طريق المحامي إنها تفض الشراكة وتسترد نصيبها بالأرباح عن الأربع سنين اللي فاتوا. والمستندات دي جاهزة للتقديم في المحكمة الصبح، إلا لو إنت عندك رأي تاني.”

أحمد حس إن الأرض بتميد بيه. الشركة هي مصدر دخله الوحيد، ولو ندى سحبت نصيبها بالأرباح المتراكمة، الشركة هتفلس في أسبوع واحد، ومش هيلاقي يصرف على نفسه ولا على سفرياته.

وقال وهو بيبص لندى بقلة حيلة وضغط:

“إنتِ عاوزة تخربي بيتنا يا ندى؟ عشان سفرية؟ عشان أسبوع مع أصحابي؟”

ندى قربت منه خطوة، وبصت في عينيه وقالت:

“مش عشان سفرية يا أحمد. عشان كلمة ‘ماستحقش’. إنت قتلت كل حاجة حلوة جوايا بالكلمة دي. إنت شفت تعبي وسهري مع التوأم ملوش قيمة، وشفت إن رقادهم وتعبهم ومسئوليتهم حاجة عادية ومجانية. إنت استكترت عليا حلم بسيط إننا نصيف كلنا كعيلة بعد كل العذاب اللي شفته في الحمل والولادة.”

أحمد بلع ريقه وسكت تماماً، العرق بدأ ينزل من جبهته. بدأ يفهم إن اللعبة اتغيرت، إن ندى الضعيفة المجهدة اللي كانت بتترجاه يساعدها في تغيير ألكسوة العيال أو يشيل طفل منهم وهي بتطبخ، مش هي الست اللي واقفة قدامه دلوعتي وبكل ثقة وتحدي.

الحاج عبد الله وقف، قفل الملف الأزرق، وحطه في شنطته، وبص لأحمد وقال:

“أنا خدت ندى والعيال عندي في البيت. الشقة دي هتفضل مقفولة لحد ما تتعدل وتعرف يعني إيه بيت ويعني إيه زوجة وأطفال. قدامك أسبوع واحد يا أحمد… إما تيجي بيتي وتعرف أصول الرجولة وتكتب لندى حقوقها كاملة وتلتزم بمربين يساعدوها في العيال على حسابك، إما الأوراق دي هتوصل للمحكمة، وساعتها مش ه تخسر مراتك وعيالك بس… إنت هتخسر شغلك وشركتك كمان.”

أحمد حاول يتكلم: “يا عمي استهدى بالله، نتكلم بالعقل…”

لكن الحاج عبد الله مشي ناحية الباب، وندى مشيت وراه بخطوات ثابته، وقفت عند الباب، ولفت بصت لأحمد ببرود وقالت:

“انبسط بالمصيف يا أحمد… عشان القادم مش هيكون فيه أي راحة.”

قفلت الباب وراها، وسابت أحمد واقف في نص المطبخ، لوحده، وسط السكون المريب، وشريط الأيام الأخيرة بيمر قدام عينيه… والبيت اللي كان فاكره ملكه وتحت سيطرته، انهار في لحظة واحدة.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى