روايات وقصص

حكايات رومانى مكرم 2

قال محمود بصوت متهدج ونبرة يملؤها الندم: “سحر.. أرجوكِ اسمعيني للمرة الأخيرة. أنا عارف إني غلطت في حقك غلطة العمر، وعارف إن كلامي وقسوتي وقت مرضك ما يغتفروش.. بس أنا اتغيرت، وعرفت قيمة وجودك في حياتي لما ضعتي مني. أنا مستعد أعمل أي حاجة تكفر عن اللي عملته.. أي حاجة تطلبيها!”

نظر والد سحر إلى محمود بغضب مكتوم وحاول الاندفاع لترده، لكن سحر رفعت يدها بهدوء وربتت على كتف والدها لتوقفه. تقدمت خطوة واحدة نحو محمود، ووقفت أمامه بثبات وثقة لم يعهدها فيها من قبل. لم تعد سحر تلك المرأة الخائفة المكسورة التي تبكي تحت قسوة زوجها ورغباته السطحية، بل أصبحت امرأة صلبة صقلتها الآلام وخرجت من معركة الموت بقلب جديد.

نظرت في عينيه مباشرة وقالت بصوت هادئ، حاسم، ولا يحمل أي أثر للتردد: “أنت متأخر قوي يا محمود.. متأخر شهور. الخوف والوجع اللي عشتهم وأنا بين إيدين الدكاترة وبحارب عشان أعيش، علموني إن السند الحقيقي مش اللي يطلب مني أضحي بحياتي عشان مظاهر وشكل، السند هو اللي يمسك إيدي في أضعف لحظاتي ويقويني.”

تابع كبريائها الجريح كلماته الأخيرة وهي تتطلع إلى عينيه الباكيتين: “أنت ما خسرتنيش لما عملت العملية.. أنت خسرتني لما شفت إن صحتي وحياتي أرخص عندك من شكلي. الندم اللي أنت فيه دلوقتي مش هيصلح شرخ الخوف اللي زرعته في قلبي، ورجوعي ليك معناه إني بظلم نفسي تاني، وأنا وعدت نفسي إني مش هسمح لأي حد يكسرني بعد النهاردة.”

اللتفتت سحر ببراعة ووقار، وسارت بخطوات واثقة نحو سيارة والدها دون أن تتطلع إلى الخلف ولو لمرة واحدة. تركته واقفاً على الرصيف، تتهاوى أوهامه السابقة تحت أقدام واقع جديد صنعه بنفسه.

ركبت السيارة وانطلقت بها، بينما ظل محمود واقفاً في منتصف الشارع، يراقب طيفها وهو يبتعد، ليتركه أمام الاستدعاء القضائي وفي مواجهة جلسة الحكم النهائية التي تحدد مسار حياته القادمة.

جاء يوم الجلسة الحاسمة في المحكمة. كان الممر المزدحم يضج بالحركة، بينما يجلس محمود على أحد المقاعد الخشبية الجانبية، مطأطأ الرأس، يحمل بين يديه أوراق القضية، ويتجرع مرارة الخسارة قبل أن ينطق القاضي بالحكم.

على الجانب الآخر، كانت سحر تجلس بجوار والدها ومحاميها. كانت ترتدي ثياباً بسيطة وأنيقة، ووجهها يفيض بهدوء ونقاء عجيبين، كأنما تطهرت تماماً من آلام الماضي وعقدة المرض. لم تنظر اتجاه محمود ولو لمرة واحدة، فقد أغلقت ذلك الفصل من حياتها للأبد.

نُودِيَ على القضية، ودخل الجميع إلى القاعة. وقف المحامون يترافلون، لكن محمود لم يطلب من محاميه أن يجادل أو يدافع؛ كان يعلم أن كل دفوعه باطلة أمام حجم الجرم النفسي والإنساني الذي ارتكبه. وقف فقط يستمع إلى المحامي وهو يطلب من القاضي إنهاء الإجراءات بما يرضي الله والحفاظ على الحقوق الشرعية للزوجة.

اعتلى القاضي المنصة، وبعد مراجعة الأوراق وتقرير الأطباء والشهادات، طرق بمطرقته الخشبية ليعلن المنطوق النهائي:

إثبات الطلاق بائن بين الطرفين، وإلزام محمود بجميع الحقوق المالية والشرعية كاملة من مؤخر وصداق ونفقة، مع تحمله ما نص عليه القانون في مثل هذه الحالات.

طُرِقَت المطرفة لتعلن نهاية العلاقة رسمياً. رفع محمود رأسه ببطء، وتلاقت أعينهما لثوانٍ معدودة أثناء خروج الجميع من القاعة. لم يجد في عينيها انتقاماً ولا تشفياً، بل وجد مساحة شاسعة من الحرية وراحة البال. ابتسمت سحر لوالدها، وأمسكت بيده وقبّلتها، ثم خطت خارج مبنى المحكمة نحو الشمس، مستقبِلةً حياتها الجديدة بروح أصلب، وجسدٍ أثبت أن القوة والحجم الحقيقي للإنسان ينبعان من داخله ومن إرادته في الحياة، لا من المظاهر الفانية.

أما محمود، فقد خرج من القاعة يجرّ أذيال الخيبة والندم، راجعاً إلى شقته الفارغة التي أصبحت سجناً لأفكاره، ليعيش ما تبقى من عمره يدرك متأخراً جداً أن الرجولة مواقف، وأن من يفرط في أنثاه في لحظة ضعفها، لا يستحق أن يكون جزءاً من قوّتها.

 

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى