منوعات

حكايات رومانى مكرم 1

أنا كان ليا سلفة ماتت من القهر مننا

ما كانتش بتخلف،كنا بنعيرها ونزلها وجوزها اتجوز عليها.

مقالات ذات صلة

كلنا أنا وحماتي واخوات زوجى البنات كلنا متفقين عليها.

وهى ملهاش اهل وحيده وبوها وامها ميتين

ضرتها حملت وجابت ولد، ومن ساعتها القهر بقى حقيقي.

سلفتي اسمها منال كانت ساكتة وما كانتش بتتكلم، بس كنت بشوف في عينيها وجع الدنيا كلها.

كانت بتخاف مننا تزعل أو تمشي من البيت، عشان مالهاش حد، أمها وأبوها ماتوا، وإخواتها كل واحد في حياته.

كانت بتخاف حتى تقعد عندهم، فكانت تسكت وتتحمل كل حاجة.

حكايات رومانى مكرم

منال مكنش ليها صوت، كانت زي خيال المآتة اللي ماشي وسطنا، وشها دايما في الأرض، وإيديها مبترتعش غير لما تقرب مننا. كانت وحيدة، ملهاش ضهر، أبوها وأمها ماتوا وسابوها في الدنيا ملهاش غير الجدران دي، وإخواتها كل واحد قفل بابه على نفسه وقال “يا نفسي”. مكنش ليها مكان تروح فيه، وده كان سر قوتنا وسر ضعفها اللي كنا بنعصرها بيه كل يوم.

في يوم، حماتي قعدت وحطت رجل على رجل وقالت بصوت مسموع:

* “البيت اللي مفيهاش عيل يربطه، زي البيت الخربان.. والراجل من حقه يشوف ضناه، ولا هنقعد نربط بخت ابننا مع أرض بائرة؟”

الكلام كان طالع زي السهام، ومنال كانت واقفة بتغسل المواعين على الحوض في طرف الحوش. ضهرها انحنى أكتر، وصوت الأطباق وهي بتتحط كان بيترعش. أنا بدل ما اسكت، قومت وزودت النار حطب:

* “وعلى إيه يا حماتي؟ الشرع حلل أربعة، وإحنا لازم نفرح بـ “علاء” ونجيب له اللي تشيل اسمه وتشيلنا.”

منال لفت وشها، عينيها كانت مليانة بدموع محبوسة، دموع بتوجع أكتر من العياط العالي. بصت لنا نظرة واحدة، نظرة كأنها بتستعطفنا نقف، بس إحنا كنا بنضحك. سابت اللي في إيدها ونزلت جري على شقتها اللي في الدور الأرضي.

من يومها، والترتيبات بدأت. جوزها اتجوز عليها “ضرة” صغار في السن، من أول يوم دخلت فيه البيت وإحنا شيلناها على الراس، مش حبًا فيها، بس عنادًا في منال. ولما الضرة حملت، القهر بقاله طعم حقيقي وملموس في البيت.

كنا نتعمد نقعد كلنا في الحوش، نلم اللمة، ونجيب سيرة الخلفة والعيال، والضرة تقعد تتدلع وتشتكي من الوحم، وحماتي تبخرها وتدعي ليها. ومنال كانت تدخل وسطنا تخدمنا، تشيل وتحط وهي ساكتة. كنا بنعايرها بقلة حلفتا جهارًا نهارًا:

* “اوعي تقربي من العصير ده يا منال، الحاجات دي للحوامل مش للي قاعدين حيطة سد.”

كانت تسكت، وتلف ضهرها وتمشي، وأول ما تدينا ضهرها، كانت الشتايم والتلقيح يشتغلوا وراها زي المطر عشان نكسر أي حتة كبرياء فاضلة جواها. مكنتش بتمشي وتروح لأهلها لأنها عارفة إن ملهاش حد يقبلها، كانت بتخاف تطلع برا عتبة البيت، فكانت بتختار السجن بتاعنا وتحتمل الضرب والإهانة والزل على إنها تترمي في الشارع.

أكتر منظر مش قادرة أنساه، لما كانت تطلع من وسطنا مكسورة وتنزل شقتها، كنا نقعد نضحك بأعلى صوت عندنا عشان نسمعها إننا مبسوطين من غيرها. وكنت أرفع عيني بالصدفة، أشوفها واقفة ورا الشباك الأزرق القديم بتاع أوضتها، بتبص علينا وعينيها مكسورة، وجع الدنيا كله كان متلخص في النظرة دي. وأول ما المح عينيها وهي شيفانا بنضحك، كانت تقفل الشباك بسرعة وبخوف، كأنها بتداري وجعها مننا.

أنا كنت فاكرة نفسي شاطرة، فاكرة إني لما أقف مع حماتي وأخوات جوزي وأدير معاهم الساقية دي، إني بكسب مكانتي في البيت وبأمن نفسي، مكنتش فاهمة إني بخسر إدميتي، وإني بدفن إنسانيتي بإديا عشان أرضي ناس مبترحمش.

الضرة ولدت وجابت ولد، والبيت اتقلب فرح وزغاريط، ومنال كانت زي النسمة المكتومة وسط الهيصة دي. لحد ما جه اليوم المشؤوم..

منال وقعت من طولها في وسط الصالة، مكنتش بتتكلم ولا بتشتكي، بس جسمها خلاص رفض يشيل القهر أكتر من كده. شيلناها ورحنا بيها المستشفى، والدكاترة قالوا “تعب مفاجئ وهبوط حاد”، بس الحقيقة إن قلبها هو اللي وقف من كتر الكتمان. عشر أيام كاملين وهي على السرير بين الحيا والموت، وأنا واقفة فوق راسها في الرعاية المركزية، ببص على وشها اللي بقا أبيض زي القطن، مفيش فيه غير علامات الحزن اللي حفرناها بإدينا.

كنت ماسكة إيدها الساقعة وببكي بحرقة، دموع ندم ملهاش قيمة دلوقتي، وبقول ليها بصوت متقطع:

* “سامحيني يا منال.. بالله عليكي تسامحينا.. قومي واعملي فيا اللي أنتِ عايزاه بس سامحيني.”

لكن منال مردتش، عينيها كانت مقفولة، وروحها طلعت للي خلقها، راحت لمكان مفيش فيه حموات ولا سلفات ولا قهر، مكان فيه العدل وبس. ماتت مقهورة مننا كلنا.

من يوم دفنتها، وأنا حياتي اتقلبت جحيم. البيت اللي كنا بنضحك فيه بقا شبه القبر. كل يوم العصر، رجلي بتسحبني لوحدها، بنزل تحت عند باب شقتها المقفول، بقعد على العتبة وببكي زي العيلة الصغيرة، أضرب كف على كف وأقول: “ارجعي يا منال.. ارجعي وخدي حقك مننا.. الله يسامحنا على اللي عملناه فيكي”.

الندم بدأ يأكل في جدران قلبي، وكل ما أبص للشباك الأزرق وهو مقفول، بفتكر نظرتها ليا وهي بتمسح دمعتها وتقفله بسرعة، قلبي بيتقطع مية حتة. مبقتش قادرة أستحمل أشوف حماتي وهي قاعدة ولا أخوات جوزي وهم بيتكلموا عادي ولا كأن في روح اتزهقت بسببا.

وفي ليلة، وأنا قاعدة في ضلمة أوضتي، والندم بيعصرني، قومت ووقفت طولى، وعيني مش شايفه غير صورة منال. قلت لنفسي بصوت عالي وهستيري:

* “عليّ وعلى أعدائي.. الساكت عن الحق شيطان، وإحنا كلنا قتلة.. الكل لازم يتحاسب، والكل لازم يدفع الثمن، حتى أنا أولهم.”

#الكاتب_رومانى_مكرم

مسكت تليفوني، وإيدى بتتراشف، وطلبت رقم مركز الشرطة عشان أبلغ عن كل اللي حصل.. وعن الجريمة اللي مفيش ليها أثر غير في قلوبنا.

دخلت قسم الشرطة ورجلي مش شيلاني، الريحة جوة كانت خنقة، صوت الأوراق والمحاضر والضباط وهم رايحين جايين كان زي الطبول في دماغي. الضابط المناوب بصل باستغراب لما شاف حالتي: وشي أصفر، هدومي مش متظبطة، وعيني دموعها مش بتنشف.

جلسني على الكرسي وقال بلهجة جادة:

* خير يا ست؟ مالك؟ جاية تبلغي عن إيه في وقت زي ده؟

بلعت ريقي بصعوبة، وصوتي خرج مخنوق ومتردد:

* أنا جاية أبلغ عن جريمة قتل.. إحنا قتلنا منال، سلفتي ماتت مقهورة، أنا وحماتي وأخوات جوزي.. إحنا اللي وقفنا قلبها بالبطيء.

الضابط نزل القلم اللي كان في إيده، وبصلي بجمود وقال:

* تقرير المستشفى جاي فيه إن الوفاة هبوط حاد في الدورة الدموية، وفاة طبيعية.. أنتِ جاية تبلي على نفسك وعيلتك كلام ما يتكتبش في محضر؟ القهر والزعل مش جريمة يعاقب عليها القانون يا ست!

صرخت بانهيار ودموعي نازلة مغرقة وشي:

* بس ربنا بيعاقب عليها! القانون ممكن يغمض عينه، بس ربنا لأ! نزلوا اسمها في المحضر.. اكتبوا إني مشاركة في قتل روح ملهاش ذنب!

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى