منوعات

حكايات رومانى مكرم 1

الضابط طلب لي كوباية مية، وحاول يهديني، ولما لقى كلامي كله عن الندم والذنب، طلب أرقام حد من أهلي عشان ييجي ياخدني. يتصل بمين؟ اتصل بجوزي.

بعد أقل من ساعة، جه جوزي يجري على القسم، ووشه جايب ألوان. أول ما شافني، سحبني من إيدي بقوة وهو بيعتذر للضابط ويقوله إن أعصابي تعبانة من ساعة وفاة سلفتي. طلعت معاه وأنا زي الجثة، مش قادرة أقاوم ولا أرد.

مقالات ذات صلة

طول الطريق في العربية، جوزي كان بيصرخ فيا:

* أنتِ اتجننتِ؟ جاية تفضحينا في المراكز؟ عايزة تقولي للناس إننا قتلناها عشان ربنا ما رزقهاش بخلة؟ أمي وأخواتي لو عرفوا باللي عملتيه ده هيسفلو بيكي التراب!

رديت عليه وأنا ببص من الشباك:

* ما يتربوني ولا يقتلوني يا شيخ! إحنا وسخين.. إحنا كلنا وسخين ومفيش فينا ريحة الرحمة.

أول ما دخلنا البيت، الخبر كان سبقنا. حماتي كانت قاعدة في الحوش، والضرة قاعدة جنبها ماسكة ابنها الجديد، وأخوات جوزي واقفين وشهن مقلوب. جوزي حكى لهم اللي حصل في القسم، البيت كله اتقلب عليا في ثانية.

حماتي قامت وقفت على حيلها، وصوتها هز البيت:

* بقى أنتِ يا ناكرة الجميل جاية تتهمينا بقتل العقربة اللي كانت قاعدة تاكل في خيرنا؟ هي اللي كان قلبها أسود وماتت بغلها! أنتِ بقيتي مجنونة ورجلك ما تعتبش برة الشقة دي تاني!

أخت جوزي الكبيرة قربت مني وبصت لي بقرَف وقالت:

* اتعدلي يا حبيبتي بدل ما نعدلك، منال راحت لحالها، ولو فاكرة إنك هتسوقي فيها العبيطة وتعملي لينا فيها القديسة المظلومة، نرجّعك بيت أبويكي مكسورة الخاطر زي ما جبناكي!

الضرة قعدت تضحك وتهز ابنها وتقول بصوت عالٍ عشان تسمعني:

* بكره تعقل لما تشوف إن اللي بيقف قصاد الكبار بيمشي في المالح.. اللي يموت يموت، المهم اللي عايشين ويا بخت من جاب الولد!

الكلام كان بيتقال، وأنا عيني راحت لوحدها على الشباك الأزرق Old القديم بتاع أوضة منال.. حسيت كأن طيفها واقف ورا الإزاز، ببصلهم بنفس النظرة المكسورة، بس المرة دي كانت بتبصلي أنا، كأنها بتقولي: “شفتي؟ شفتي لما قعدتي معاهم ضدي، أهو الدور جه عليكي.”

من اليوم ده، بدأت المعاملة تتغير معايا 180 درجة. المعاملة اللي كانوا بيعاملوا بيها منال، بدأوا يطبقوها عليا بالحرف.

حماتي بقت تتجاهل وجودي، أخوات جوزي بقوا يلموا العفش والأكل مع الضرة ويقعدوا يعملوا لمة من غير ما يعزموني، وجوزي بقا يهرب مني وينام في أوضة تانية أو ينزل يقعد مع ضرة منال.

بقيت أدخل الحوش، ألاقيهم يسكتوا ويغمزوا لبعض. الضرة بقت تؤمر وتطاع، وأنا بقيت أخدم وأشيل وأحط وهم بيبصوا لي بنظرات التشفي.

في يوم، كنت واقفة بغسل المواعين على نفس الحوض اللي كانت تقف عليه منال.. إيدي كانت بترتعش، وصوت الأطباق كان بيطلع نفس الرعشة. حماتي عدت من ورانا وقالت بصوت مسموع للضرة:

* هاتي العيل أأكله يا حبيبتي، البيت ده مش عمران غير بحسك أنتِ وابنك، إنما الناس اللي بتجيب لنا الفقر والندب، وجودهم زي عدمه.

الكلمة نزلت على قلبي زي السكين. في اللحظة دي بالذات، حسيت بوجع منال، حسيت بالصخرة اللي كانت شايلها فوق صدرها وهي ساكتة. عرفت إيه معنى إنك تكون عايش مع ناس بياكلوا في لحمك وأنت مش قادر تفتح بقك.

نزلت جري على الدور الأرضي، وقفت قدام باب شقة منال المقفول. المسكينة مكنش ليها حد تروح له، بس أنا ليا أهل.. بس هل لو رجعت لأهلي هيقبلوني وأنا شايلة ذنب روح اتزهقت؟

حطيت راسي على باب شقتها القديم، وبكيت بدموع بتكوي الوش. صليت العصر على العتبة، وسمعت صوت ضحكاتهم نازلة من الدور اللي فوق، نفس الضحكات العالية اللي كنا بنضحكها عشان نسمع منال ونكسرها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى