منوعات

حكايات رومانى مكرم 1

رفعت راسي للسما وقلت بصوت محروق:

* يا رب.. أنا استاهل كل اللي بيحصلي ده، بس حق منال مش هيضيع.. أنا مش هسكت، ومش هسيبهم يرتاحوا ولا يتهنوا بالولد اللي جابوه على جثة غلبانة.

مقالات ذات صلة

قومت من مكان مسحت دموعي، ودخلت شقتي. قفلت الباب على نفسي، وبدأت أخطط لإزاي هخليهم يعترفوا، إزاي هحول حياتهم لجحيم أقسى من الجحيم اللي عيشوا فيه منال.. حتى لو كان الثمن إني أتدمر معاهم.

مرت الأيام وأنا عايشة في البيت ده زي الجثة، بقلب ميت وعقل مش بيكف عن التفكير. المعاملة كملت في النازل؛ حماتي وأخوات جوزي والضرة بقوا حلف واحد ضدي، والجدران اللي شهدت على كسرة منال، بقت هي هي اللي بتشهد على إهانتي كل يوم. بس الفرق الوحيد بيني وبين منال، إن منال كانت بتسكت وتداري وجعها، لكن أنا كان جوايا نار بتاكل فيا وعايزة تحرق الكل.

بدأت ألاحظ إن الخوف بدأ يتسرب لقلوبهم من غير ما يحسوا. بقيت أتعمد أتصرف بتصرفات تقلقهم. أستنى لما الليل يليل والبيت كله يهدى، وأنسحب بشويش أنزل للدور الأرضي، أقعد قدام شقة منال المقفولة، وأولع شمعة صغيرة، وأقعد أقرأ قرآن بصوت واطي ومبحوح.

في أول ليلة، أخت جوزي الكبيرة نزلت تشرب، شافتي قاعدة في الضلمة وجنب الشمعة، صرخت صرخة هزت البيت وقالت:

* أنتِ بتعملي إيه هنا يا مجنونة؟ أنتِ بتحضري روحها ولا بتعملي لينا عمل؟

بصيت لها ببرود، وعيني كانت ثابته في عينها وقلت بصوت هادي يرعب:

* روحها مش محتاجة تحضير يا فايزة.. منال مشتلتش رجلها من البيت، واقفة وراكي دلوقتي وبتبتسم.

فايزة وشها اتخطف، ورجعت بضهرها خطوتين وهي بترتعش، وطلعت تجري على فوق. ومن الليلة دي، الشك والفرقعة بدأت تدخل بيناتهم.

حماتي بقت تقوم من النوم مرعوبة وتقول إنها بتسمع صوت خبيط مواعين في الحوش زي ما كانت منال بتعمل، والضرة بقت تخاف تقعد في الصالة لوحدها بالعيل، وتقول إن الأوضة بتبرد فجأة وإن الشباك الأزرق القديم بيتخبط عليه من برة بالليل.

أنا كنت بغير الخطط كل يوم. كنت أطلع فوق، وأستغل إنهم قاعدين بيتسامروا، وأقف في نص الصالة وأقول ببرود:

* تعرفي يا حماتي؟ الدكتور في المستشفى قال لي إن القهر بيفرز سم في الدم، والسم ده بيفضل في المكان اللي مات فيه صاحبه.. أنتِ مش حاسة بريحة الغاز أو الشياط وراكي؟

حماتي تتنفض من مكانها وتصرخ فيا:

* غوري من وشي يا بومة! أنتِ جاية تفصلينا وتجيبي لينا العيا؟ اطلعي شقتك يلا!

جوزي بقا يتفاداني، كان يبص في عيني ويشوف فيها نظرة مش طبيعية، نظرة واحد بايع دنيته وما باقيلوش حاجة يخسرها. حاول يربطني بالحكايات القديمة، ويقولي:

* اعقلي يا بنت الناس، إحنا خلفنا وعشنا، هتهدي البيت عشان واحدة ماتت وقدرها جه؟

رديت عليه وأنا بقرب منه وبهمس في أذنه:

* قدرها جه بسببنا يا “علاء”.. وأنت أول واحد هيدفع التمن، عشان أنت اللي سبت اللحم اللي اتجوزته يترمى للكلاب تاكل فيه، والنهارده الدور عليا، وبكرة الدور على ابنك اللي فرحان بيه.

الخلافات بدأت تشتعل بين حماتي والضرة. الضرة بدأت تحس إن البيت فيه حاجة مش طبيعية، وبقت تضغط على جوزي عشان يعزلها برة البيت ده خالص.

* أنا مش هقعد في خرابة مسكونة بالذنوب! مرتك الأولى تجننت وبقت زي العفاريت، وروح الميتة محوطة المكان.. خرجني من هنا يا علاء وإلا هسيب لك الولد وأغور بيت أبوي!

حماتي لما سمعت كلام الضرة، اتجننت:

* تخرجي فين يا مقصوفة الرقبة؟ تاخدي ابن ابني وتبعديه عني؟ ده البيت ده بيته، واللي مش عاجبه الباب يفوت جمل!

البيت اللي كان متجمع على أذية مظلومة، بدأ يتفكك ويتقطع من جوة. الشتايم والخناقات بقت أكلهم وشربهم اليومي. حماتي اللي كانت بتضحك مع الضرة ضدي وضد منال، بقت تكسر الأطباق وتصرخ فيها، وأخوات جوزي بقوا يتخانقوا مع بعض على الخدمة والقرش.

وفي ليلة من أشد الليالي ضلمة، كنت واقفة فوق السطوح ببص على الحوش تحت. شفتهم كلهم قاعدين بيتطاحنوا ويتعالي صوتهم بالشتائم، والطفل الصغير عياطه مالك المكان.

ابتسمت ابتسامة مفيهاش أي رحمة.. عرفت إن ربنا بدأ يرد الحق، مش بقوة القانون، بس بسوط الذنب والشك اللي زرعته في قلوبهم.

نزلت الستارة، وقعدت على الكرسي، ومسكت التليفون تاني.. المرة دي مكنتش بطلب الشرطة، كنت بطلب حد تاني خالص هيقلب الطاولة عليهم كلهم ويرجع حق منال بالقوة.

 

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى