روايات وقصص

حكايات زهره الربيع 3

وما زال في جعبتي الكثير لأقوله، ليس فقط عن الحمام، بل عن كل تفصيلة صغيرة في هذا البيت، لأن كل تفصيلة هي جزء من روحنا. حان الوقت لأجمع كل هذه اللحظات، وأصيغها في ختام يليق بكل ما عشناه، ختام يكتب بمداد من الحب والوفاء، ختام يليق بالعائلة التي صمدت، وانتصرت، وأصبحت أقوى من أي وقت مضى.

مرت الأشهر والسنوات، وكأن الحادثة التي كادت تودي بحياة أغلى الناس لم تكن مجرد أزمة، بل كانت “عملية جراحية” نفسية استؤصلنا بها الورم الذي كان ينمو في صمت بين جدران بيتنا: ورم الخجل المفرط، والصمت الذي يحسبه البعض أدباً بينما هو في الحقيقة حاجز يمنع الرحمة من الوصول.

اليوم، وأنا أجلس في ركن الصالون الهادئ، أنظر إلى باب الحمام الذي كان يوماً ما “مصدر رعب” لي، أبتسم. الباب الآن ليس سوى باب من خشب، لا يحمل خلفه أسراراً، ولا يخفي وراءه دموعاً أو ضيقاً. أحياناً، حين يمر حمايا (بابا) من أمامي وهو في طريقه لاستخدام الحمام، يبتسم لي، وأبتسم له، ولا يشوب تلك الابتسامة أي توتر. لم يعد مضطراً للركض، ولا أنا مضطرة للتحصن بالطرحة والجلابية. لقد صار بيتنا مكاناً طبيعياً، بشراً بضعفهم وقوتهم، وليس قاعة مسرح نمثل فيها دور العائلة المثالية.

أصبحت العائلة الآن تعيش بنظام “القلوب المفتوحة”. حماتي، التي كانت يوماً ما تخاف من كل صغيرة وكبيرة، أصبحت هي التي تذكرنا بموعد دواء بابا، وتعتني بتهوية الشقة، بل وتطلب من حمزة أن يضيف تقنيات تهوية جديدة كلما قرأت عن تحديث طبي. لم تعد تعاني من الربو كما في السابق، لأن الوعي كان أقوى علاج لها.

في تلك الأمسية التي قررت فيها أن نلتقي جميعاً في “شقتنا فوق”، كانت ليلة لن أنساها. كان حمزة يجلس بجانب أبيه، وأنا أجلس بجانب حماتي، وكانت الأحاديث تتدفق مثل جدول ماء صافٍ. نظرت إلى بابا (حمايا)، الذي كان يوماً ما رجلاً “مطارداً” في بيته، والآن يجلس كملك في عرشه، رأسه مرفوع، وابتسامته تملأ وجهه.

قال لي بابا فجأة وسط حديثنا: “يا آلاء، هل تذكرين ذلك اليوم؟ اليوم الذي نزلتِ فيه لتسألي عن سبب صعودي المتكرر؟”

أومأت برأسي، فتابع والدموع تلمع في عينيه: “لو لم تفعلي ذلك، لظللت محبوساً في قفص خجلي حتى الموت. لقد كنتِ أنتِ مفتاح السجن الذي بنيته لنفسي. شكراً لأنك كنتِ أول من رأى وجعي ولم يهرب، أول من استمع لي ولم يشمئز.”

تلك الكلمات كانت “التاج” الذي تكللت به رحلتي كزوجة وكنة. لم أعد أبحث عن الخصوصية بمفهومها الضيق (أن أغلق بابي على نفسي)، بل فهمت أن الخصوصية الحقيقية هي أن تشعر بالأمان في قلب عائلتك، حتى في أضعف حالاتك.

حمزة، حبيبي وشريك عمري، الذي كان يقف في المنتصف يحاول إرضاء الجميع، أدرك هو الآخر أن “البيت” ليس مجرد عقار، بل هو ميثاق غليظ. اليوم، نتبادل النظرات ونحن نعلم أننا تجاوزنا اختباراً كان يمكن أن يهدم بيوتنا. لقد صرنا أكثر نضجاً، أكثر صبراً، وأكثر فهماً لمعنى أن تكون “عائلة”.

في هذا الفصل الأخير، أكتب هذه الكلمات وأنا أرى المستقبل يشرق أمامنا. طفلنا الصغير، الذي يملأ البيت الآن ضجيجاً وحياة، يجري بين الطابقين، لا يعرف شيئاً عن “أزمة الحمام” أو “أسرار السلالم”. هو يعرف فقط أن له جداً حنوناً في الأسفل، وأباً وأماً يحبانه في الأعلى، وأن بيتهما بيت واحد. أحياناً أراه يجلس في حضن جده، ويسمع حكايات عن “الزمان”، وأتخيل أن الجد يروي له بصمت كيف أن الحب قد يكون معقداً، لكنه دائماً ما يجد طريقاً للنجاة.

إن الدرس الذي تعلمناه لم يكن يقتصر على الأمور الطبية أو الهندسية، بل كان درساً في “الإنسانية”. تعلمنا أن الناس لا يخفون أسرارهم لأنهم أشرار، بل غالباً لأنهم خائفون، أو لأنهم يظنون أن حماية من يحبون تتطلب أن يحملوا همومهم وحدهم. تعلمنا أن “الصدق” هو أرخص وأقوى علاج لأي علة.

اليوم، حين أغلق باب شقتي في المساء، لا أشعر بتلك “الريبة” التي كانت تلازمني. البيت صار بيتاً، والناس صاروا بشراً، والرحمة حلت محل الخوف. لقد طوينا صفحة “الغربة” داخل البيت الواحد، وفتحنا صفحة “الألفة”.

أقول لكل عروس جديدة: لا تظني أن الخصوصية هي في الجدران والأقفال. الخصوصية هي في القلوب التي تفهمك وتسمعك. إذا واجهتِ يوماً ما يبدو لكِ “غريباً” أو “مزعجاً” في سلوك من حولك، لا تتسرعي بالحكم ولا بالانسحاب. حاولي أن تري ما خلف الظاهر، ربما تجدين خلف ذلك السلوك الغريب وجعاً دفيناً، أو حباً يائساً، أو رغبة في الحماية لم يحسن صاحبها التعبير عنها.

لقد انتهت حكايتي مع الحمام، وبدأت حكايتي مع الحياة. حكاية لا تخلو من منغصات، ولا تخلو من تحديات، لكنها حكاية مكتوبة بخطوط واضحة، بلا أسرار مخجلة، وبلا مخاوف مرعبة. إنها قصة “بيت” استحق أن يُسمى “ملاذاً”.

اليوم، وأنا أختم هذه السطور، أغمض عينيّ وأشعر بسلام عميق. الحمد لله الذي أنار بصائرنا، والحمد لله الذي جعلنا لبعضنا البعض سنداً لا يميل. البيت الذي كان يوماً ما يضيق بي، أصبح الآن يتسع لكل معاني الدفء والسكينة. لقد رحل الخوف، وبقي الحب، وهذا هو كل ما تبقى لي في نهاية الطريق.

لقد كان اختباراً قاسياً، لكنه كان ضرورياً لنعرف من نحن، ومن نكون لبعضنا. نحن الآن لسنا مجرد ساكنين في طابقين، نحن روح واحدة تسكن في قلب واحد. وإلى هنا، تنتهي القصة التي بدأت بـ “طرقات على الباب”، وتنتهي بـ “احتضان القلوب”. لقد وجدتُ أخيراً، في هذا البيت، وطني.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى