
صمت كريم، وساد الذهول في المكالمة، فكمل المحامي بصوت حاسم: “الوصية المقيدة برقم التسجيل الأخير بتنص على الآتي: الميراث عبارة عن الأراضي والشقة والمبلغ المالي، مش ملك مروة لوحدها… خالها اشترط شرط صريح، إن الأملاك دي تنتقل لمروة وبنات عمها مناصفة بشرط واحد… إن مروة تكون ذمة مالية مستقلة، وفي حال طلاقها قبل استلام الميراث بأيام أو بأشهر بناءً على أي تدخل خارجي، فإن كامل الميراث يؤول لها وحدها بالكامل دون أي قسمة، مع حرمانه لأي زوج سابق أو عائلته من أدنى انتفاع حتى لو عن طريق الحضانة أو النفقة.”
ساد صمت كالمقابر على الخط. ثم سمعت صوت حماتي يرتجف بذهول : “يعني إيه؟ يعني لو ما كانش طلقها كان هياخد النصيب؟”
-
الشهر التاسع حكايات رومانى مكرم 2منذ 9 ساعات
-
الشهر التاسع حكايات رومانى مكرم 1منذ 9 ساعات
-
حكايات رشا خالد 2منذ 10 ساعات
-
حكايات رشا خالد 1منذ 10 ساعات
رد الأستاذ رفعت بصرامة: “بالضبط! الخال حط بند ذكي جداً، كان كاتب إن لو مروة فضلت متجوزة كريم، فالميراث بيتقسم بالنصف بينها وبين ملجأ أيتام، لأن الخال كان شاكك في طمعكم ومحبش يسيب لكريم ولا جنيه واحد يتهنى بيه على حساب ابنته. لكن لو كريم وغدر بيها عشان طمع، الميراث كله يبقى ملك مروة لوحدها، خالص مخلص من أي شركاء! انتو بطمعكوا وتسرعكوا ده حرمتوا نفسكم حتى من إن كريم يعيش مع واحدة غنية، وتسسبتوا في إنها تأخد كل حاجة لوحدها!”
سقطت الموبايل من يد كريم على الأرض كما يبدو من الصوت، وسمعت صرخات حماتي وهي تندب حظها وتكيل الشتائم لابنها الذي أطاعها كالأعمى وخسر كل شيء في لحظة طمع.
أغلق المحامي الخط ببرود، ونظر إليّ والابتسامة تملا وجهه: “خالك كان عارفهم كويس يا مروة. كان عارف إنهم مركزين مع الفلوس، وعارف إن طمعهم هيعميهم عن قراءة العواقب. طمعهم هو الليحررك من الجوازة دي، وهو اللي سلمك حقك كامل بدون نقطة دم واحدة.”
مسحت دموعي، ووجدت نفسي لأول مرة منذ سبع سنوات أتنفس بحرية. لم تكن الصدمة هينة، لكن القناع سقط تمامًا. خرجت من مكتب المحامي وأنا أحمل أوراق ملكية تجعلني امرأة مستقلة، بمال وأراضٍ وشقة واسعة في أرقى مناطق القاهرة.
مرت الأيام الأولى، وبدأت أحاول استعادة ذاتي. عدت لعملي كمدرسة بقلب جديد، وأعدت ترتيب حياتي. لكن الطمع لا يموت بسهولة.
بعد مرور أقل من أسبوعين، بدأت الاتصالات لا تتوقف. كريم يحاول الاتصال يومياً عشرات المرات. يرسل رسائل اعتذار وتوسل: “أنا انخدعت يا مروة.. أمي هي اللي ضحكت عليا.. أنا بحبك وعمري ما استغنيت عنك.. ارجعيلي ونبدأ صفحة جديدة ومش عايز من الميراث أي حاجة.”
كنت أقرأ الرسائل وأبتسم بمرارة. كيف لإنسان عشت معه سبع سنوات أن يكون بهذه الهشاشة والرخص؟ لم أرد على أي رسالة، وحظرت أرقامه تماماً.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد. في أحد الأيام، بعد انتهائي من العمل في المدرسة، فوجئت بحماتي تقف عند الباب الخارجي. كانت تبدو شاحبة، زال عنها ذلك الكبرياء الزائف الذي كانت تمارس به سلطتها عليّ.
اقتربت مني بابتسامة صفراء ومكشوفة، وحاولت أخذي بالأحضان قائلة: “مروة يا حبيبتي! وحشتيني يا بنتي.. إيه الجفا ده كله؟ هو احنا مش كنا زي الأم وبنتها؟”
تنحيت جانباً ببرود وقدمت خطوة للخلف: “خير يا أم كريم؟ في حاجة؟”
ارتبكت واصفر وجهها، ثم قالت بتوسل خبيث: “يا بنتي كريم من غيرك.. الواد ، ومش قادر يعيش بعيد عنك. الشاطان دخل بينكم، وأنا اعترفت ب غلطتي.. ارجعي لجوزك يا مروة، وهو مستعد يكتب لك إقرار إنه مش هيتدخل في أراضيكي ولا فلوسك.. بس لموا شملكم تاني!”
نظرت إليها بثبات لم أعهده في نفسي من قبل، وقلت بصوت حاسم وواضح أمام معلمات المدرسة اللاتي كن يرقبن الموقف: “الراجل اللي يبيع مراته في لحظة عشان كلام أمه وطمعه في فلوسها، ما يلتفتش ليه تاني يا أم كريم. كريم عشان كان فاكر إنه بيحرمني، ودلوقتي بيتحايل يرجلعي عشان الفلوس بقت معايا. انتو نسيتوا إن ربنا شايف؟”
حاولت أن تمسك بيدي وتترجى: “عشان خاطري يا بنتي.. ده ابنك وحبيبك..”
قاطعتها بقوة: “أنا معنديش ولاد، وكريم بقى ماضي وانتهى. ولو جيتي هنا تاني أو حاول كريم يطاردني، المحامي هيرفع قضية عدم تعرض، وأنا أوراقي جاهزة.”
تركتها واقفة في ذهول أمام الجميع، وركبت سيارتي الجديدة التي اشتريتها من أموالي الخاصة، وأنا أشعر بأن الله يعوضني عن كل لحظة ألم وتقليل من شأني عشتها في ذلك البيت.
لكن المأساة الحقيقية لكريم وأمه لم تتوقف عند هذا الحد.
بعد أشهر قليلة، علمنا من معارف مشتركة أن كريم سقط في فخ ديون ضخمة بعدما حاول الاستدانة لدخول مشروع فاشل ظناً منه أنه يستطيع تعويض ما خسره من الميراث. وحماتي التي كانت تتفاخر أمام الجميع بأن ابنها سيد الرجال، أصبحت تتنقل بين بيوت أقاربها تطلب المساعدة لتسديد ديونه حتى لا يدخل السجن.
أما أنا، فقد استثمرت جزءاً من الميراث في فتح دار تحفيظ قرآن ومؤسسة صغيرة لدعم النساء المطلقات والمعيلات، لأساعد كل امرأة مرت بالظروف التي مررت بها ولأكون لها سنداً.
وفي يوم من الأيام، وأنا أجلس في مكتبي الجديد أتابع أعمال المؤسسة، دخل عليّ الأستاذ رفعت المحامي وهو يحمل ملفاً جديداً.
ابتسم وقال: “مروة.. كريم أرسل لي محاميه اليوم، يطلب طلب أخير.”
رفعت رأسي باستغراب: “خير يا أستاذ رفعت؟ عايز إيه تاني؟”
قال الأستاذ رفعت وهو يضحك: “بيطلب إنك تتنازلي عن جزء بسيط جداً من الأرض عشان يدفع ديونه ويخرج من حصر القضايا اللي عليه، وبيقول إن ده من باب الإنسانية والسنوات اللي كانت بينكم!”
نظرت إلى الشباك المطل على المدينة، وتذكرت الليلة التي سمعته فيها يقول لأمه “هفكر” وهو يبيع سبع سنوات من العشرة في لحظة طمع.
التفتّ للمحامي وقلت بابتسامة واثقة ومرتاحة: “قول له يا أستاذ رفعت.. إن الإنسانية بتبدأ لما الإنسان يصون كرامة اللي معاه، وهو اختار يبيعها.. والقانون لا يحمي المغفلين ولا الطماعين.”






