
مرت ستة أشهر كاملة على الليلة اللي اتفتحت فيها أبواب محمود، والصفحة اللي كانت ملوثة بالغل والطمع انطوت تماماً وبدون أي رجعة. محمود بدأ بالفعل يشتغل في محل قطع غيار السيارات اللي ضمنته فيه، وكان بيشتغل بإخلاص وسكوت غريب، زي راجل بيحاول يغسل ذنوب سنين فاتت بعرق جبينه. مراته كانت بتتصل بأمي من وقت للتاني تطمن عليها، والبيت اللي كان على وشك الخراب استقر، والعيال رجعوا مدارسهم.
أما أنا، فكنت مركز بكل طاقتي في شغلي بالشركة. كنت بشتغل بصفاء ذهن نادراً ما حسيت بيه قبل كده. لما تشيل من قلبك الغل والرغبة في الانتقام، عقلك بيفضى للإبداع وللترقي.
في يوم إثنين الصبح، طلبني أستاذ شريف في مكتبه. أول ما دخلت، لقيته بيستقبلني بابتسامة عريضة ومستندات كثيرة متستفة على مكتبه.
«أقعد يا أحمد، في أخبار جبارة!»
قعدت وقلت له:
«خير يا أستاذ شريف؟ النتيجة بتاعة مناقصة التوريدات الميدانية ظهرت؟»
قال بفرحة:
«مش بس ظهرت! الشركة أخذت المناقصة بالكامل، وده بفضل خطة التوزيع والتأمين الميداني اللي أنت قدمتها للسيارات والخدمات اللوجستية. الخطة دي وفرت على الشركة أكثر من 30% من الميزانية المخصصة!»
ابتسمت بحمد ربنا، وقلت له:
«الحمد لله يا أستاذ شريف، ده شغل الفريق كله.»
أستاذ شريف هز رأسه وقال بنبرة جادة ومحترمة:
«لا يا أحمد، ده شغلك وفكرك. وشان كده… رئيس مجلس الإدارة طلب اجتماع عاجل الساعة 12 الضهر، وفي قرار رئيسي هينزل بخصوصك.»
الساعة 12، كنت واقف في القاعة الرئيسية للاجتماعات. كان حاضر مجلس الإدارة بالكامل، ومدراء القطاعات، وعلى رأسهم أستاذة نجوى من الشؤون القانونية.
رئيس مجلس الإدارة وقف، وبص للحاضرين وقال بصوت جهوري:
«يا جماعة، الشركة هنا مش بس مكان للشغل والأرباح، الشركة دي منظومة قائمة على الأمانة، الكفاءة، والأخلاق. السنة اللي فاتت، الشركة مرت باختبارات صعبة تكشفت فيها معادن الناس. وفي موظف عندنا أثبت إنه مش بس كفاءة إدارية نادرة، لكنه صاحب خلق ودين وأمانة على المال العام وعلى زمايله، حتى لو كانوا خصومه.»
العيون كلها اتجهت ناحيتي.
كمل رئيس مجلس الإدارة:
«بناءً على التقييم السنوي، ونجاح خطة التوزيع الميداني، وبناءً على ثقة الإدارة المطلقة… تم ترقية الأستاذ أحمد محمود ليكون ‘مدير قطاع الحركة والخدمات اللوجستية بالشركة’ بمرتب مضاعف، بالإضافة لسيارة جديدة مخصصة بالكامل لاستخدامه الشخصي والميداني، مع حافز سنوي من أرباح المناقصة الجديدة!»
القاعة كلها ضجت بالتصفيق! أستاذ شريف أدى لي التحية، وأستاذة نجوى ابتسمت وباركت لي.
كنت واقف في مكاني، ودموع الفرحة محبوسة في عينيا. افتكرت الأيام الصعبة… افتكرت الكرسي الحديد البارد في مستشفى الطوارئ لما كنت خايف على أمي ومحمود بيبتزني… افتكرت اللحظة اللي كنت هخسر فيها شغلي وسمعتي بسبب البلاغ الكاذب… وافتكرت إن الصبر والأصل الطيب هم اللي وصلوني لللحظة دي!
استلمت مفاتيح العربية الجديدة، وكانت عربية زيرو حديثة. أول حاجة عملتها لما أخذتها، إني طلعت بيها فوراً على البيت.
وصلت العمارة، نزلت، وطلعت الشقة لأمي. أول ما فتحت الباب وشافت المفاتيح الميدالية الجديدة في إيدي وشافت الفرحة في عيني، قعدت تدعي وتبارك.
مسكت إيدها وقلت لها:
«يلا يا أمي… انزلي معايا.»
بصت لي باستغراب:
«أنزل فين يا أحمد بالنهار كده؟»
قلت لها وابتسامتي من الخد للخد:
«انزلي أركبي معايا عربية ابنك الجديدة… العربية دي أول مشوار ليها مش هيكون للشغل ولا لمحمود ولا لأي حد… أول مشوار ليها هيكون عشان أوصلك أنتِ للمكان اللي تختاريه!»
أمي عينيها دمعت من الفرحة، ولفت طرحتها ونزلت معايا.
فتحت لها باب العربية الجديدة، قعدت جنب الشباك وهي مبسوطة وبتقرأ آيات الحفظ والأمان. طلعت بالعربية في شوارع القاهرة، والشمس كانت دافية وجميلة.
سألتها: «نروح فين يا أمي؟»
قالت لي بصوت دافي مليان رضا:
«سوق بيا يا أحمد روح بينا على السيدة زينب… نصلّي ونشكر ربنا على نعمه ورضاه.»
وأنا سايق العربية وأمي جنبي، كنت بص في المراية وأبتسم. حسيت إن كل خطوة في السنة اللي فاتت كانت مترتبة بحكمة إلهية دقيقة جداً. ربنا شال من طريقي الناس المزيفة، ونظف حياتي من الأفاعي، وعوضني عن كل ثانية قلق بخير وكرامة وترقية وراحة بال.
وصلنا، وصلينا، وطلعت من المسجد وأنا حاسس إن الدنيا كلها ملك إيدي.
لكن… بعد أسبوع واحد من الترقي واستلام المنصب الجديد، وأنا قاعد في مكتبي الفخم المخصص لمدير القطاع، دخل عليا السكرتير وقال لي:
«أستاذ أحمد… في جواب رسمي وصل لحضرتك بالبريد المسجل من جهة حكومية، ومكتوب عليه ‘عاجل وشخصي’.»
أخذت الجواب واستغربت. فتحت الظرف…
وكانت المفاجأة غير المتوقعة كلياً!
الجواب كان استدعاء رسمي موجّه ليّ بصفتي الوظيفية والشخصية من إدارة التحقيقات في القضية القديمة… بس المرة دي الجواب مش بخصوص محمود!
الجواب كان بيطالبني بالشهادة في واقعة خطيرة جداً تخص تسريب مستندات وأسرار من الشركة القديمة، وفي شخص ثالث كبيييير جداً جوة الشركة، كان هو المحرك الحقيقي لمحمود من وراء الستار، وهو اللي كان بيزوده بالتقارير اللي حاول يوقعني بيها!
الشخص ده كان حد عمري ما تخيلت إن له باللعبة دي كلها!
مسكت الجواب وإيدي بتترعش من الصدمة… وقفت وأنا بسأل نفسي: «هو الكابوس ده لسه فيه رؤوس تانية ما اتقطعتش؟!»
الجزء السابع والأخير




