
مسكت الجواب بالبريد المسجل، واسم الجهة الرسمية يلمع في أعلى الورقة، وعينيا مش مصدقة الاسم المكتوب في مذكرة التحقيق!
الشخص اللي كان بيحرك محمود من وراء الستار، واللي كان بيغديه بالتقارير والمعلومات عشان يطيرني من الشغل، ما كانش حد غريب… كان أستاذ شريف نفسه!
اتجمدت في مكتبي، الشاشة قدامي والورقة في إيدي بتترعش. أستاذ شريف؟! الراجل اللي كان بيمثل إنه خايف عليا؟ الراجل اللي كان بيطبطب عليا وبيقولي “أنا عارف أخلاقك يا أحمد”؟!
في نفس اللحظة، دخل أستاذ شريف المكتب، وابتسامته العريضة على وشه وهو شايل ملف المناقصة الجديدة. أول ما شاف الجواب المسجل في إيدي، ووشي اللي أبيضّ زي الملاية، ابتسامته اختفت تدريجياً، وعينيه بدأت تروح وتيجي بتوتر.
قفل باب المكتب وراه، وقرب بخطوات بطيئة وقال بصوت واطي:
«أحمد… الجواب ده وصلك؟»
بصيت له بثبات غريب، وقفت من على كرسي الإدارة، وحطيت الورقة قدامه على الطاولة:
«ليه يا أستاذ شريف؟ أنا عملت فيك إيه؟ ده أنا كنت بآمن لك أكتر من نفسي!»
أستاذ شريف قعد على الكرسي بإنهاك، وحط إيده على وشه. المظهر المتماسك بتاع المدير الكبير انهار في ثواني. بصلي وقال بصوت مليان مرارة وحقد مكتوم:
«أنت ما عملتليش حاجة يا أحمد… مشكلتك إنك كنت شاطر زيادة عن اللزوم! وسالك زيادة عن اللزوم! رئيس مجلس الإدارة كان بيفكر يصعدك على حسابي من سنتين، وأنا بقالي 15 سنة في الشركة ومستني الفرصة دي! لما محمود جالي بالسر وقال لي إنه زعلان منك وعايز يزيحك، لقيتها فرصة… استغليت غباءه وطمعه، وكنت بخليه يكتب التظلمات والإيميلات، وأنا اللي وجهته يزور ورق بدلات الانتقال عشان نلبسك القضية وتطير أنت وهو مع بعض وأفضل أنا في الأمان!»
ضحكت بمرارة. ضحكة طالعة من قاع قلبي.
«يعني محمود كان مجرد كارت بتلعب بيه… وأنا كنت الهدف؟»
قال بكسرة:
«بس أنت طلعت زي القطط بأربع ترواح يا أحمد! نيتك السلكانة ودعاء أمك كان كل ما أحفر لك حفرة يردمها فوق دماغي أنا ومحمود! والنهاردة، لما النيابة راجعت التحويلات وشبكات السيرفرات والتسريبات اللي محمود اعترف بيها في التحقيق الأخير كحيلة عشان يخفف عقوبته، اسمي اتكشف!»
بصيت له باستحقار، الجائزة الكبيرة والترقية اللي أخدتها ما كانتش مجرد صدفة، دي كانت مكافأة ربنا على صبر أمي ونيتي.
قلت له بصرامة:
«أنا هروح أقول شهادتي بالحق يا أستاذ شريف. مش هتبلى عليك، ومش هخبي حاجة. هقول اللي أعرفه فقط، والقانون ياخد مجراه.»
وفي خلال 48 ساعة، كانت التحقيقات كشفت كل شبكة التآمر الداخلي. أستاذ شريف اتعزل من منصبه بالخزي والعار، وحول للمحاكمة بتهمة إهدار المال العام والتآمر والتزوير، والشركة اتنظفت بالكامل من آخر أفعى كانت مستخبية في الممرات.
عدت الأيام والشهور، والهدوء رجع يرفرف على حياتي.
في يوم جمعة مبارك، بعد ما صليت الظهر، أخدت أمي في عربيتي الجديدة وطلعنا على كورنيش النيل. كانت قاعدة جنبي، لافة شالها الأبيض، وعينيها بتلمع بالرضا وهي بتتفرج على النيل والهوا المفتوح.
بصتلي وابتسمت وقالت:
«بالك رايق يا أحمد؟»
بست إيدها وقلت لها:
«أحمدك وأشكر فضلك يا رب. بالي رايق، وقلبي فاضي من أي غل، وشغلي ماشي بالبركة.»
قالت لي كلام يتكتب بماء الذهب:
«عرفت يا ابني ليه ربنا كان ممشيك في الطريق الصعب ده؟ ربنا ما كانش بيعاقبك، ربنا كان بيصقلك. كان بيكشفلك المعادن، وبيشيل من طريقك الشوك عشان لما تقعد على الكرسي ده، تقعد وأنت نضيف ومرفوع الراس.»
الحكمة ونهاية المطاف:
قصتي دي مش مجرد حكاية عن توصيلة ببلاش أو زميل خاين… دي درس لكل بني آدم بيتعامل بنيته مع الناس:
* الجدعنة مش عباطة، بس النية السلكانة حصن: لما تعمل خير مع حد وما يطمرش فيه، ما تندمش على الخير، أندم على اختيارك للشخص. الخير اللي بتعمله بيرجع لك في وقت أنت أشد الحاجة ليه، ودعوة أمي في الطوارئ كانت هي الدرع اللي رد عني كيد محمود وأستاذ شريف.
* اللي بيحفر حفرة لأخيه بيلبس فيها: محمود حاول يخرب بيتي ويسرق نسيمي، فتقفلت في وشه كل الأبواب وركع يستجدى العفو. وأستاذ شريف حاول يطيرني عشان الكرسي، فخسر الكرسي وسمعته ومستقبله.
* العفو قوة ومش ضعف: لما عفوت عن محمود عشان خاطر عياله، ربنا ما صغرنيش… ربنا رفعني وترقيت وعوضني أضعاف، لأن القلب المليان انتقام عمره ما بيعرف ينجح أو يتقدم.
* اعرف مين تركبه معاك في عربيتك وفي حياتك: مش كل اللي بيقعد جنبك في الزحمة صاحب، وفيه ناس لو اديتهم عينيك، هيشتكوا إن ضوء عينيك بيعكس في وشهم! اختاروا صحابكم، وصونوا اللي يصونكم، وسيبوا الخاين للأيام… لأن الأيام دائنة تدين وتوفي الحساب بالتمام والكمال.
تمت.




