روايات وقصص

حكايات امانى السيد 1

العمال أول ما شافوه سكتوا وبصوا لبعض، كان في نظراتهم ألف معنى، نفس العمال اللي طردهم زمان دلوقتي واقفين بكرامتهم وبياخدوا شقاهم أول بأول. شاورت ليهم بإيدي يكملوا شغلهم، ووقفت ورا مكتبي بكل هدوء وثبات.

قرب عبد الله من المكتب، حط إيده المرتعشة على الحافة وسكت لثواني كأنه بيدور على صوت ضاع منه، وبعدها نطق بنبرة ذليلة تقطع القلب: “ازيك يا أم العيال.. ما شاء الله، ربنا يزيدك ويباركلك في رزقك ورزق ولادنا.”

بصيتله ببرود من غير ما أرد ولا أقطع صمته.

بلع ريقه وصوته انكسر أكتر: “أنا خسرت كل حاجة يا فوزية.. المعرض التاني عليه حجز خلاص وشيكاتي رايحة للنيابة، ونيرمين باعت كل حاجة حتى الشقة وهربت.. أنا على الحديدة، ومطلوب في ديون توديني ورا الشمس. التجار كلهم قفلوا أبوابهم في وشي، وقولت مفيش غيرك بنت أصول.. شغليني معاكي، أي حاجة، حتى لو هبقى مجرد بياع على باب المعرض ولا مشرف عمال، بس ألاقي لقمة أعيش منها ومترميش في السجن.”

الكلمات طلعت منه زي الشحاتة، نفس الراجل اللي وقف وسط معازيمه يقول عليا “شغالة وجاية تشحت”.

سكت شوية، ورجعت ضهري لورا، وبصيت في عينيه وقولتله بصوت هادي ومسموع وواثق: “زمان قولتلك إن المال الحرام مبيثمرش، وقولتلك إن حق الغلابة مبيضيعش بالفهلوة.. إنت مكنتش شايف غير المظاهر والنفخة الكدابة، ودلوقتي بتدوق نفس الكاس اللي سقيتهولي، بس بفرق واحد.. أنا لما اتكسرت وقفت على رجلي بشرفي وشقايا، لكن إنت وقعت عشان أساسك كان غدر وخيانة.”

قرب خطوة برجاء وقال: “عشان خاطر العيال يا فوزية.. هيرضيكي أبوهم يتحبس؟”

رديت بحسم مفيش فيه رجوع: “العيال ليهم مصاريفهم ونفقتهم اللي القانون بيجيبهالهم، ميعرفوش عنك غير إنك أبوهم ومش هدخلهم في تفاصيل قلة أصلك.. لكن تدخل شريكتي أو تمد إيدك في لقمتي بعد ما خنت الأمانة؟ ده عشم إبليس في الجنة. باب المعرض ده اتفتح بشقايا، وميدخلوش غير ولاد الأصول اللي بيعرفوا يحافظوا على العيش والملح.”

فتحت الدرج، طلعت ورقة بمبلغ صغير يكفيه ياكل بيه كام يوم، وحطيتها قدامه على المكتب: “ده مش عطف عليك، ده ثواب لله عشان بس اسمك على شهادات ميلاد ولادي.. تاخده وتخرج، ومتعتبش الباب ده تاني.”

بص للفلوس وبصلي، شاف في عيني نهاية حكايته، مد إيده المكسورة وأخد الفلوس ولف ضهره وخرج يجر رجليه في الشارع، وأنا وقفت وسط معرضي، سجدت لربنا شكر ، وأنا حاسة بإن كل وجع و

كل كسرة كانت مجرد بداية لعز وكرامة ميتكسروش أبداً.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى