
التفت ورايا لقيت رجالة الأمن بيقربوا بخطوات سريعة، وعيون التجار والضيوف مصوبة عليا بنظرات كلها شماتة وفضول رخيص. مفيش إيد واحدة اتمدت تسترني، ولا لسان واحد نطق كلمة حق للست اللي وقفت جمبه لحد ما عمل الاسم ده.
رفعت إيدي في وش الأمن قبل ما يلمسوني، ورجعت خطوة لورا بمنتهى الهدوء اللي خرج من وسط الحطام اللي جوايا. عدلت طرحتي وبصيت لنيرمين اللي كانت متبتة في دراعه وبتعدل الغوايش الدهب في إيدها بنظرة غل، ورجعت بصيت في عين عبد الله وقولتله بصوت عالي وثابت سمّع المعرض كله:
“أنا خارجة برجلي يا عبد الله.. بس افتكر اليوم ده كويس، وافتكر إن المال الحرام اللي بتبني بيه عشك الجديد ده داخل فيه دعوة مظلوم وحق يتامى.. المعرض اللي واقف تتباها بيه النهاردة ده، بكرة هتشوفه بيتهد طوبة طوبة قدام عينك، وساعتها مش هتلاقي حتى اللقمة اللي كنت بسترها معاك على طبلية واحدة.”
لفيت ضهري ومشيت بخطوات تقيلة وراسي مرفوعة، سامعة ورايا همهمات المعازيم ورنة كعب نيرمين وهي بتغير الموضوع، بس أول ما خطيت برة باب المعرض ودخلت في الشارع الضلمة، حسيت رجلي خانتني وسندت على أول عمود نور، والدموع اللي حبستها نزلت تكوي خدي من قهرة الغدر وقلة الأصل.
مر أسبوعين وعبد الله غرقان في العسل، مأجر شقة فخمة لنيرمين وبيصرف يمين وشمال على المظاهر عشان يبان رجل الأعمال الكبير قدام التجار. كان فاكر إني قعدت في ركن ضلمة ألطم على خدي واستسلمت للأمر الواقع، ومكنش عامل حساب إن الضربة هتيجي من نفس الإيد اللي كانت بتطبطب عليه زمان.
في يوم كان المعرض الجديد مليان زباين وتجار جملة جايين يوقعوا عقود بضاعة، وعبد الله قاعد ورا مكتبه الفخم، ونيرمين جنبه بتشرب قهوتها وتتأمر على العمال. وفجأة، اتكسر الهدوء بصوت خطوات تقيلة بتقتحم المكان.
دخلت قوة تنفيذ الأحكام ومعاهم المحضر ومعاهم المحامي بتاعي، وأنا وراهم بخطوات واثقة وعينين مبترمشش.
عبد الله وقف مفزوع من ورا مكتبه، وشه جاب مية لون، وصرخ بصوت مشروخ: “إيه ده؟ إنتوا مين وداخلين هنا إزاي؟ إنتِ تاني يا ولية يا مجنونة؟”
المحضر طلع المحضر الرسمي وقرأ بصوت جهوري سمّع كل الواقفين: “أمر حجز تحفظي وتشميع على المعرض وجميع محتوياته، بناءً على دعوى إثبات شراكة أصلية، وبلاغ تزوير في إعلانات الطلاق، وجنحة تبديد منقولات ودهب بقيمة مثبتة في الفواتير الرسمية.”
نيرمين وقفت مذهولة، الفنجان وقع من إيدها واتدلق على السجادة، وصرخت بهستيريا: “حجز إيه وكلام فارغ إيه؟ المعرض ده متسجل باسمي أنا وعبد الله! إنتِ جاية تسرقينا يا شحاتة؟”
المحامي ابتسم بسخرية ورد عليها ببرود: “السجل الأصلي ورأس المال الأساسي للشركة مبني على أصول الست دي من ورشة المعادي، وأي فرع اتفتح بعد كدا هو امتداد للشركة الأصلية.. والعقود العرفية اللي بينك وبين جوزك متسواش تمن الحبر اللي اتكتبت بيه قدام السجل التجاري القديم.”
عبد الله قرب مني وعينيه بتطق شرار، كان بيترعش من الغيظ وصوته مهزوز: “بتخرب بيتي يا فوزية؟ بتفضحي اسمي في السوق قدام التجار بعد ما رفعتك؟”
بصيتله من فوق لتحت بنفس النظرة اللي بصلي بيها يوم الافتتاح، وقولتله بصوت هادي قطّع أنفاسه: “أنا مابخربش بيت يا عبد الله، أنا باخد حقي وحق شقايا اللي سرقته.. الدهب اللي على رقبة الهانم هيتسلم للمحكمة، والفرع اللي فرحان بيه هيتقفل بالشمع الأحمر لحد ما نصيبي يرجع بالمليم.. وريني بقى مين فينا اللي هيقعد يشحت دلوقتي.”
نيرمين وشها بقى لونه أصفر زي الليمونة، عينيها راحت للدهب اللي في إيدها ورقبتها، وبدأت تتراجع لورا بخوف وهي بتداري الغوايش بكم فستانها. المحضر شاور لأمينة الشرطة اللي واقفة مع القوة، وقربت منها بثبات وقالت بصوت صارم: “هاتي المصوغات دي بهدوء يا مدام، كل جرام هنا مثبت في محضر حصر رسمي ومطابق لفواتير الصاغة اللي باسم الأستاذة، المقاومة مش هتفيدك غير بق\ضية مقاومة سلطات.”
نيرمين بصت لعبد الله وصرخت بعصبية وهي بتفرك في إيديها: “اعمل حاجة يا عبد الله! هتسيب الشغالة دي تقلعني دهبي وتهيني قدام الناس؟ اتصرف يا راجل!”
عبد الله كان واقف متخشب في مكانه، العرق بينزل شلالات من جبهته، والتجار اللي كانوا قاعدين يوقعوا معاه العقود بدأوا يلموا حاجتهم وينسحبوا واحد ورا التاني والهمسات بتملا الصالة: “ده طلع نصاب وباني عزه على شقى مراته.. يلا نلحق شيكاتنا وبضاعتنا قبل ما المعرض يتقفل!”
قرب عبد الله مني بخطوات مهزوزة، صوته اللي كان بيهدد بيه اتكسر وبقى شبه الرجاء: “فوزية.. اسمعيني بس، بلاش فضايح قدام الناس والسوق، كل حاجة تتحل ودي.. إنتِ أم عيالي وليكي غلاوتك، تعالي نقعد ونتكلم في الشقة ونتفاهم، وحقك هتاخديه تالت ومتلت، بس مش كدا يا بنت الأصول!”
بصيت في عينيه اللي كانت مكسورة بالذل، ونفس العيون دي من أسبوعين بس كانت بتبصلي باحتقار وبتشاور للأمن يرميني في الشارع. ابتسمت ابتسامة باردة ومسحت على ياقة عبايتي وقولتله:
“بنت الأصول مبتقعدش مع قليل الأصل يا عبد الله.. والود اللي بتتكلم عنه دفنته بإيدك يوم ما سميت شقايا فقر ووقفت تتفرج على مرارتي وتضحك. الشمع الأحمر ده مش بس هيقفل باب المعرض، ده هيقفل باب عزك المزيف كله.”
الشرطة شمعت الأبواب بالكامل وسط عياط نيرمين وصريخها اللي ملا الشارع، وعبد الله واقف على الرصيف مذهول، باصص للمحل اللي طار من بين إيديه في دقايق. لفيت ضهري ومشيت بخطوات ثابتة وراسي في السما، سامعة رنة كعبي على الأرض بتعلن بداية جديدة، مش بس لرجوع حقي، لكن لكسرة كل ظالم فاكر إن حق الغلابة بيضيع بالفهلوة.
مرت شهور طويلة كانت المحاكم فيها بيتي التاني، مشاوير ومذكرات وجلسات مابتخلصش، بس كان عندي يقين إن ربنا مش هيضيع شقايا. وبعد معارك قانونية حامية كشفت كل تلاعبه، المحكمة أصدرت حكمها النهائي بقسمة الأصول والتخارج، أخدت فرعين بحكم قضائي بات — الفرع الرئيسي القديم وأكبر فرع فيهم — وهو رسي على الفرعين التانيين، غير إلزامه برد قيمة الدهب كاملة ونفقات الأولاد بأثر رجعي.
من أول يوم استلمت فيه الفرعين بتوعي، شمرت عن دراعي ونزلت بنفسي، نسيت التعب وقلة النوم. غيرت اليافطة بالكامل وخليتها باسم والدي الله يرحمه، ورجعت العمال القدامى والصنايعية الشاطرين اللي كان طاردهم عشان يوفر أجورهم، وبدأت أشتغل على خامات نظيفة وتشطيبات على أعلى مستوى وبأسعار عادلة. ثقتي في السوق وأمانتي مع التجار الكبار اللي عرفوا أصل الحكاية خلت المعارض عندي متفضاش، والطلبيات تنزل فوق راسي من كل المحافظات، واسمي كبر وبقى علامة مميزة في عالم الموبيليا.
على الناحية التانية، كانت الدنيا بتلف لعبد الله بطريقة ميعلمش بيها إلا ربنا.
نيرمين أول ما حست إن الفلوس بتقل والبريق طفى، بدأت تعمل خناقات يومية وتطالبه بمصاريف خيالية ومظاهر هو مابقاش قادر عليها. هو دخل في فخ الطمع، بدأ يسترخص في الخامات ويغش في التشطيبات عشان يلحق يسد الشيكات اللي على رقبته، فبدأت البضاعة ترجعله بعيوبها، والزباين يشتكوا، وسمعته في السوق بقت في الحضيض.
خلال سنة واحدة بس، التجار قفلوا الحنفية ومحدش رضي يديله متر خشب واحد بالآجل، والعمال سابوا ورشه لما اتأخرت يومياتهم. اضطر يعرض أول فرع للبيع برخص التراب عشان يسدد ديونه، ونيرمين في أول لحظة ضيق رفعت عليه ق\ضية خلع وخدت اللي طالته منه وهربت.
وفي يوم كنت واقفة في الفرع الرئيسي بتاعي، لابسة أرقى ما عندي ووسط العمال والزباين والطلبيات بتتستف على العربيات، لمحته واقف على الرصيف المقابل من ورا زجاج المعرض. كان متبهدل، ضهره محني، ووشه شاحب والهم واكل ملامحه، باصص للنجاح والخير اللي ربنا كرمني بيه بعد ما كان فاكر إنه دَفني.
بصيتله لثواني معدودة، من غير شماتة ولا كره، مجرد شفقة على راجل فكر إن الغدر ممكن يبني بيه بيت أو يصنع بيه اسم، ورجعت أدير ضهري للشباك وأكمل شغلي، بعد ما ربنا كتبلي الرد العملي اللي مفيش أبلغ منه.
ممرتش دقايق ولقيت باب المعرض بيتفتح وصوت الجرس بيرن. دخل بخطوات مترددة، باصص في الأرض، هدومه اللي كانت زمان من أغلى الماركات بقت مبهدلة وباهتة، ووشه شاحب وعينيه مكسورة مفيهاش أثر للغرور اللي كان بيفرده عليا زمان.




