
وقف سعيد في مكانه زي المتخشب، إيده مربوطة على أكرة الباب وعينيه مبرقة ومش قادر يستوعب مين الراجل اللي واقف قدامه بكل الهيبة والشياكة دي، والشنطة في إيده بتنطق إنه لسه راجع من السفر حالاً.
شريف ما استنّاش سعيد ينطق، ولا أداه فرصة يكمل زعيقه. زحزح سعيد بكتفه لبرة ودخل البيت بكل ثقة وثبات، خطوة هزت الصالة كلها. عينيه راحت فوراً عليا وعلى جنى اللي كانت لسه ماسكة في جلابيتي وبتعيط بكسرة.. أول ما شاف دموعها، ملامح وشه تغيرت 180 درجة، والشرار اللي في عينيه بقى نار تحرق.
شريف حط الشنطة على الأرض ببطء شديد، ورجع بص لسعيد بصة مرعبة وقاله بصوت واطي بس يرعب:
* “أنا بقى ابن الكلب اللي نازل ضرب في الجرس يا روح أمك.. وأنا اللي البنت دي تتربى في بيته وفي حضنه، مش في بيت واحد زيك حاطط عقله بعقل طفلة ست سنين!”
سعيد اتلخبط، وشه جاب ألوان ود شفايفه بقت تترعش من المفاجأة، بس حب يعمل فيها راجل في بيته، فقرب من شريف وقاله وهو بيحاول يعلي صوته:
* “أنت مين يا جدع أنت؟! وأزاي تتأقح وتدخل بيتي كدة من غير إذن؟! أنت فاكرها سايبة ولا إيه؟!”
شريف ضحك ضحكة استهزاء هزت الحيطان، وقرب منه خطوة واحدة خلّت سعيد يرجع خطوتين لورا:
* “أنا شريف.. أبو البنت اللي أنت طالع صوتك عليها وعلى أمها! أنا الراجل اللي بقالي خمس سنين بغرب نفسي في فرنسا عشان أأمن مستقبل بنتي، وعينيا كانت على البيت ده وعلى كل خطوة فيه من غير ما تحسوا! فاكرني غايب وما أعرفش حاجة؟ أنا عارف بالمليم أنت أخدت كام، وعارف كل كلمة قلتها لشيماء قبل ما تتجوزها ولما دخلت البيت هنا!”
أنا كنت واقفة ذهولة، أيد بقيت على بوقي ودموعي اتجمدت في عينيا. شريف؟! شريف واقف في صالة بيتي بعد خمس سنين غياب؟! كان شكله اتغير، كبر شوية، وبقت فيه هيبة الغربة والتقل، بس عينيه هي هي.. حنينة لما بص لبنته، وقاسية زي الحديد وهو يبص لسعيد.
شريف ساب سعيد واقف مصدوم، ونزل على ركبه في الأرض قبال جنى. البنت كانت بتبصله بخوف ومش عارفة مين ده، بس هو مد إيده بالراحة ومسح دموعها بصباعه، وصوته تحول لحنية الدنيا كلها:
* “جنى.. يا حبيبة بابا.. ما تخافيش يا قلب بابا، محدش يقدر يرفع صوته عليكِ تاني في الدنيا دي كلها طول ما أنا عايش.”
جنى بصتلي بالحيرة وهي بتسألني بعينيها: “ده بابا يا أمي؟”
أنا هزيت رأسي وأنا مش قادرة أطلع الكلمة من حلقي، والدموع نزلت تاني بس المرة دي من صدمتي وقهري.
شريف وقف تاني بطوله، وبصلي بصة فيها عتاب ووجع كبير وقال:
* “بقالي سنة ببعت وأحاول أعرف أخباركم، ولما نزلت مصر أول حاجة عملتها رحت لكي يا شيماء في بيت أمك، أمك الست الطيبة هي اللي قالتلي إنك اتجوزتي وإن العريس شرطه كان يأخد البنت، وبكتلي وقالتلي الحق بنتك يا شريف جوز أمها بيعاملها بقسوة وتلاكيك.. جيت على هنا طيران، وسمعت زعيقك وقرفك من على السلم قبل ما أضرب الجرس!”
سعيد حس إن البساط بيتسحب من تحت رجليه، وأنه شكله بقى وحش أوي، فقال بعصبية وهو بيشاور على الباب:
* “أنت مالكش كلام معايا! البنت دي تلزمك؟ خدها وأغوروا من هنا أنتوا الاثنين! أنا مش ملزم بأحد في بيتي، وشيماء لو عاوزة تقعد معايا تقعد لوحدها، إنما البنت دي ما تقعدش هنا دقيقة واحدة!”
شريف تبسم ابتسامة قاسية أوي، وقرب من سعيد وحط إيده على كتفه بضغط جامد خلي سعيد ينكمش:
* “البنت دي مش هتمشي لوحدها يا سعيد.. والبنت دي أصلاً مش هتقعد في مكان فيه واحد زيك.. شيماء، ادخلي جمّعي هدومك وهدوم بنتك، أطلعي من المكان ده فوراً.”
سعيد صرخ:
* “تطلع فين؟! هي في ذمتي وأنا مراتي ما تطلعش من بيتي إلا بإذني!”
شريف بص له بثبات وقال:
* “ذمتك؟! أنت فاكر نفسك راجل لما تتشطر على طفلة وتساوم أمها عليها؟! أنت بكرة الصبح هتوصلك ورقة طلاقها بالمعروف، وإلا وعهد الله يا سعيد لأخليك تلف حولين نفسك في المحاكم وأسود عيشتك باللي أنا أعرفه عنك.. وأنت عارف كويس أنا أقصد إيه!”
سعيد وشه اصفر بالكامل أول ما سمع جملة شريف الأخيرة، وكأنه اتكشف أو شريف مسك عليه حاجة كان فاكرها مستورة.
شريف بصلي بصة أمر وقوة وقال:
* “يلا يا شيماء.. بنتي ما تقعدش في بيئة زي دي ثانية واحدة، وأنتِ مالكيش قعدة هنا خلاص.”
إيديا كانت بتترعش وأنا رايحة الأوضة ألم الهدوم، وعقلي ويقلب.. خمس سنين عايشة على أمل نرجع، والنهاردة يرجع عشان ينقذ بنته.. يا ترى شريف راجع عشان بنته بس؟ ولا راجع عشان يرجّع كل حاجة ضاعت من خمس سنين؟!
#الكاتب_رومانى_مكرم_



