روايات وقصص

حكايات منى السيد 1

ندى ما اتهزتش، فضلت واقفة ثابتة، بتنفض المطر من على شعرها بطرحتها القديمة، وعينيها متثبتة عليا بنظرة وجع ومرارة أشد من سياط النار. قربت من السرير، وحطت إيدها الدافية على قورة أبويا المجهد، ومسحت عرق خفيف كان نازل من جبهته، وبعدها بصت لي وهزت راسها بأسى:

— «أبوك جاله الشلل اليوم اللي اكتشف فيه الخيانة الحقيقية يا علي.. اليوم اللي عرف فيه إن الشركة اللي حيلتك، والملايين اللي انت فاكر إنك عملتها بذكائك وفتلنتك، كان بيتم سرقتها وتنظيف حساباتها من جوة بيتك، ومن أقرب الناس ليك.»

رجلي ما شالتنيش، وقعدت على كرسي خشب مكسور جنب السرير وأنا بحط إيديا الاثنين على راسي، ومش قادر أستوعب:

— «سرقتها؟ إزاي؟ ما انتِ اللي سرقتي المليونين جنيه! أنا شفت أوراق التحويلات بعيني، والورق كان بتوقيعك، والمورد “أشرف” اعترف بنفسه أمام شريكي إنك كنتِ بتتقاسمي معاه المبالغ دي مقابل تسريب الميزانيات وتسهيل عقود التوريد الوهمية!»

ضحكت ندى ضحكة عالية، لكنها كانت مليانة وجع يقطع القلب، ضحكة حد اتظلم لحد ما قلبه مات وما بقاش فارق معاه حاجة في الدنيا.

— «أشرف؟» ندى قربت خطوات ومسكتني من ياقة جكيتي الفرو القالي اللي كنت لابسه، وبقت تبص في عينيا من مسافة شبر، «أشرف ده يبقى جوز أختك مريم يا بيه! جوز مريم السرّي اللي كُنتوا فاكرينه مجرد مورد خشب كبير جاي من دمياط تتعاملوا معاه! مريم أختك كانت متجوزاه بره بعقد عرفي من وراك ومن ورا أبوك، ولما احتاجوا يغطوا على الملايين اللي نسحبت من الحسابات لمشاريعهم الخاصة، ما لقوش أسهل من الهبلة اللي جيت انت تجيبها من حارة فقيرة وتجوزها.. ندى، اللي ما حيلتهاش سند ولا عزوة يدافعوا عنها!»

— «أنتِ بتكذبي!» صرخت بصوت هز الأوضة الصاج، وبصيت لأبويا وأنا بترجاه بعيني، «يابا قولها إنها بتكذب! مريم أختي تعمل كده؟ مريم اللي كانت بتسهر معاك في المستشفيات؟ مريم اللي كانت بتقول لي انك كل حاجة ليها في الدنيا؟»

أبويا أخد نفس مكسور، وحاول يحرك لسانه الثقيل، وطلع منه صوت صراخ مكتوم وهو بيهز راسه بـ “أيوه”، ودموعه نزلت بغزارة على خده المجعد، كأنه بيبصم على كل كلمة بتقولها ندى.

شريط الذكريات بدأ يمر قدام عيني زي البرق، أسرع وأقسى من إن عقلي يستوعبه. افتكرت الأيام اللي سبقت الطلاق بتلات سنين. افتكرت لما مريم جابت لي ملف الحسابات في مكتبي، وكانت بتعيط وبتدعي البكاء وتقول لي: “يا علي الحقني، أنا لقيت أوراق تحويل بتبصم إن ندى بتسرب أرقام السرية بتاعة الحسابات لأشرف المورد، أرجوك يا علي ما تفضحناش وما تدخلش الشرطة عشان سمعة المعارض وسمعة أبويا ما تتحسرش!”. وافتكرت إزاي عميت عن الحقيقة، وعن إني ما واجهتش ندى ولا سمحت لها تفتح بؤها، دخلت الشقة، لميت هدومها في شنطة واحدة، ورميتها بره الباب في نص الليل وأنا بسبها وبشتمها وبتهددها إنها لو قربت من دمياط أو القاهرة تاني هلبسها قضية اختلاس تجيب لها إعدام.

— «أبوك عرف الحقيقة بالصدفة..» كملت ندى وصوتها بادي يترعش من العياط لأول مرة، «من حوالي سبع شهور، أبوك كان نازل المعرض الرئيسي في دمياط من غير ما يقول لك، ودخل مكتب أختك مريم وفاتح الباب بالراحة، سمعها بتتخانق مع أشرف بصوت واطي.. كانت بتقول له: “الفلوس اللي أخدناها من حسابات علي طارت في البورصة، وأخويا لو عرف إن ندى مظلومة وإن التوقيعات اللي على التحويلات دي كانت بختم الشركة اللي أنا سرقته منها، هيذبحنا!”.. أبوك لما سمع الكلام ده، المحفظة وقعت من إيده، وجاله انقباض شديد في القلب وقعد يصرخ عليهم، بدل ما ينقلوه المستشفى بسرعة، مريم وأشرف سابوه ينزف في المخ لساعات في المكتب المقفول عشان يتأكدوا إنه مش هيعرف يتكلم ولا يفضحهم!»

— «يا أولاد الكلب!..» قمت وقفت وأنا بدب بقبضتي في الحيطة الصاج بقوة خلت صوابعي تتجرح وتجيب دم، لكن الوجع اللي في جسمي ما كانش ييجي حاجة جنب السكينة اللي اتغرست في قلبي. «يعني أبويا جاله الجلطة بسببهم؟ وسابوه يموت؟!»

— «وأكتر من كده يا علي..» ندى مسكت إيدي المدمية وبصت لي بجمود، «لما المستشفى الحكومي نقلته بعد ما حد رمى أبوك قدام الباب في ليلة مطرة، مريم خافت إن الدكاترة يعرفوا هويته من التحاليل والتسجيلات القديمة، راحت عملت إقرار خروج على مسؤوليتها، ورمته في مصحة تحت السلم مش مرخصة في أطراف الجيزة، وكانت بتاخد منك الـ ٣٥ ألف جنيه كل شهر، تحط ٣٠ ألف في جيبها وتبعت للمصحة الحقيرة دي ٥ ألاف جنيه عشان يرموه على سرير وسخ ويأكلوه عيش حاف وجبنة قريش بايظة!»

مسكت التقرير اللي ندى رمتها على الترابيزة بآيادي بترتعش. فتحت الورق، لقيته كروت وإيصالات مدفوعة لمصحة اسمها “الأمل للتأهيل” في منطقة بعيدة، ومكتوب في الملاحظات: “الحالة تحتاج إلى رعاية مركزة وتنظيف قرح فراش إثر الإهمال الشديد”. وتحت خالص، أختي مريم كاتباه بوضع: “تعهد بعدم المطالبة بأي علاج متقدم”.

— «وانتِ.. أنتِ عرفتي المكان ده إزاي؟» سألتها وأنا حاسس إني قزم، قزم صغير قوي قدام الست اللي أنا كنت لسه من شوية برمي لها ٢٠٠ جنيه في الطين وبستهزئ بيها.

ندى أخدت نفس عميق، وبصت للقفص البلاستيك اللي لمته من الشارع وكان مليان إزايز فارغة:

— «أنا من يوم ما طردتني يا علي وأنا معنديش مأوى.. اشتغلت في كل حاجة عشان أقدر أكل لقمة حلال وما أمدش إيدي لحد. اشتغلت في النظافة، وفي جمع البلاستيك والكرتون. ومن شهرين، وأنا بفرز الزبالة جنب سور المصحة إياها في الجيزة، سمعت صوت راجل بيبكي وصوته طالع بال بالعافية من شباك متقفل بسلك صديد.. قربت وصوت الأنين كان مألوف ليا.. شفت وش أبوك من بين السلك، وهو راقد في العرق والوساخة، وقرح الفراش واكلة ضهره، ومفيش جنبي نُقطة مية نضيفة يشربها!»

دموع ندى نزلت أخيراً، سخنة ومحروقة، وجسمها بدأ يترعش من قسوة الذكرى:

— «أنا ما فكرتش في اللي انت عملته فيا.. ولا فكرت إن الراجل ده يبقى أوبك انت اللي صدقت فيا الكدب وطردتني. أنا افتكرت بس إن الحاج فاروق كان بيعاملني زي بنته لما كُنت جائعة، وكان بيجب لي الأكل لحد عندي.. زقيت باب المصحة، واتخانقت مع العمال هناك، ولما هددتهم ببلغات الشرطة إنهم حابسين راجل كبير ومهمشين حالته، رموه لي بره الباب وقالوا لي: “خديه وغوري من هنا، أخته مأخرة الفلوس بقالها شهرين ومش عايزين وجع دماغ!”.»

قربت من ندى، ووقعت على ركبي قدام رجلها في الطين اللي مالي أرضية الأوضة الصاج. مسكت إيدها المشرقة من البرد والعمل الشاق، وحطيت جبهتي على إيدها وأنا ببكي بانهيار كامل، عياط راجل اتكسر كل غروره وكبريائه في لحظة واحدة.

— «سامحيني.. سامحيني يا ندى.. أنا حمار، أنا أعمى، أنا أحقر راجل مشي على الأرض! أنا رميتك في الشارع وجريت ورا كلام الكدابين، وكنت فاكر الفلوس هتعمل مني بني آدم.. سامحيني يا ندى عشان خاطر ربنا!»

ندى سحبت إيدها بالراحة من بين إيديا، وما خلتنيش ألمسها تاني. بصت لي ببرود شديد، لكن كان فيه لمعة حزن عميقة في عينيها:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى