
وأنا ماشية في الممر، الأستاذ سامح قال بثقة: “الجلسة الأسبوع الجاي يا أستاذة شهد، حليفك وحقك هيجي كاملاً. أما بالنسبة ، أنا استلمت صيغة التنفيذ وتأمين المفاتيح، وتقدر تدخليها من بكرة وتغيري الأقفال.”
وقفت لحظة بصيت لسقف سرايا النيابة وتنفست بأعمق نفس أخذته في حياتي.
الشرطة والنيابة والقانون.. كلهم كانوا الحصن اللي ردلي كرامتي، بس القوة الحقيقية كانت جواه أنا، يوم ما قررت أقول “لأ” وما أقبلش أدوار الضحية أو الممرضة لبشر ما يستاهلوش.
طلعت من المبنى وركبت عربيتي. الشمس كانت بدأت تغرب ورسمت ألوان حمراء وذهبية في سما القاهرة. شغلت الراديو، ومشيت في اتجاه الشقة اللي أصبحت حقي الخالص.. اللي هتبدأ فيها صفحة جديدة، خالية من الكذب، خالية من البخل، وخالية من حسام وثريا للأبد.
وصلت لعمارتي القديمة بالليل. العمارة اللي عشت فيها سنين وأنا حاسة إنها ، كانت النهاردة بتستقبلني بشكل مختلف تماماً.
معايا النجار والأستاذ سامح المحامي وصيغة التنفيذ الرسمية من المحكمة. غيرنا كالون الشقة في دقائق. لما الباب اتفتح ودخلت، ريحة البيت كانت مكتومة وتخنق، ريحة ذكريات البخل والشح والخوف من اليوم الأسود.
مشيت في الصالة، شفت صور حسام اللي كان معلقها، الورق اللي كان مرمي على الترابيزة، والساعة الذهبية الفالصو اللي كان يلبسها عشان يستعرض بيها قدام الناس وهو غرقان في الديون. مسكت كل حاجة تخصه، وحطيتها في شنطة بلاستيك كبيرة ورميتها بره الباب. دي شقتي أنا، بفلوسي وتعبي، وما بقاش ليها أي مكان لأي أثر يخصه.
ثاني يوم الصبح، وأنا قاعدة مع مهندس ديكور في وبنخطط نكسر كل الحوائط القديمة ونغير العفش بالكامل عشان أبدأ من جديد، تليفوني رن.
الرقم كان غريب. رديت بهدوء: “ألو؟”
جاني صوت واطي ومكسور، صوت راجل طالع بالعافية من حشرجة في الزور: “شهد…”
كان صوت حسام! الصوت اللي كان من كام يوم بيتنطط عليا قدام المأذون ويقولي بثقة وشماتة: “أنا فرحي بكرة لو عايزه تحضري!”
ما اتخضيتش، ولا قلبي دق، رديت بنبرة أبرد من الثلج: “مين معايا؟”
“أنا حسام يا شهد.. أنا بكلمك من تلفون الممرض في المستشفى.. أرجوكِ ما تقفليش السكة في وشي.”
ضحكت بصوت واطي: “خير يا أستاذ حسام؟ النيابة سابتك تمسك تلفونات ولا إيه؟”
“أنا بروح يا شهد…” حسام بدأ يعيط، بكاء راجل أدرك إنه خسر كل حاجة في لحظة غباء. “أنا المحامي جه قال لي إن النيابة وجهت لي تهم شيكات وتستر على شبكة ، وإن أمي واخدة حبس وجوبي في قضية البلاغ الكاذب بتعتك.. أنا ضعت يا شهد، ضعت بالكامل!”
سكت تماماً، وسبته يعيط ويطلع كل القرف اللي جواه.
كمال كلامه وهو بينهج: “أنا عارف إنك زعلانة مني، وعارف إن كلامي قدام المأذون كان قذارة مني.. بس أنا كنت مجروح لما لقيتك بايعة وهادية، كنت عايز أكسرك بأي طريقة! ما كانش في فرح ولا عروسة، أنا كنت غرقان وكنت بحاول أهرب من الستات والديانة اللي بيطاردوني! عشان خاطر ربنا يا شهد.. اتنازلي لأمي عن قضية البلاغ الكاذب، إنتي معاكِ فلوس وتضري ترفعي قضايا وتعيشي، بس أمي ست كبيرة ومش هتحمل ، وأنا مش هتحمل أشوفها بتتجاب بالكلبشات بسبب طيشي!”
وقفت قدام الشباك، وبصيت على الشارع تحت.
“يا حسام،” قلتها بنبرة قاطعة ورنانة، “إنت افتكرت ربنا دلوقتي؟ لما كنت بتاخد القرش اللي أنا بتعب فيه وتصرفه على نزواتك وديونك المكسورة ما افتكرتش ربنا؟ لما سبت أمك تروح تتبلى عليا وتعمل محضر تسميم كان ممكن يوديني مؤبد، ما افتكرتش ربنا؟”
“هي كانت عليا—”
“هي ما كانتش خايفة عليك،” بصوت يزلزل التليفون، “هي كانت خايفة من الفضيحة! وكانت عايزه تستغل كوارثك عشان تبتزني وتخليني أتأكل في حقي وأسدد ديونك! أنتم عيلة ما عرفتش ربنا ولا عرفت الأصول إلا لما القانون مسككم من إيديكم اللي !”
“يا شهد أرجوكِ.. نرد لك أي حاجة، خلاص بقت بتاعتك والمؤخر هنسدده، بس أمي لأ!”
“أنا ما بباوعش يا حسام، وما بنحنيش لابتزاز عاطفي رخيص. أمك هتقف قدام القاضي الأسبوع الجاي، وهتاخد الحكم اللي تستحقه. وإنت هتطلع من المستشفى على عشان تتعلم إن الكذب والاستعراض والسرقة ليهم ثمن.. والثمن ده هتسدده من عمرك.”
“إنتي قاسية أوي يا شهد.. إنتي ما كنتيش كده!”
“أنا ما بقيتش قاسية يا حسام.. أنا بقيت عادلة. وبقيت بعامل كل واحد باللغة اللي يفهمها.”
قفلت الخط في وشه فوراً، وحظرت رقم الممرض.
التفت لمهندس الديكور وقدمت له المخطط جديد: “أستاذ كريم.. دي عايزاها كلياً. الألوان الغامقة دي تتشال، الخشب القديم يترمى، والحيطة دي تتكسر عشان تدخل الشمس في كل زاوية.”
المهندس ابتسم وقال: “تحت أمرك يا أستاذة شهد.. من بكرة العمال يبدأوا.”
خرجت من وأنا حاسة إن كل باب بيتقفل في وشهم هو باب ينفتح لي على الحياة.
الأسبوع الجاي محاكمة ثريا، وتحقيقات حسام النهائية.. وأنا مستعدة أحضر كل لحظة، مش انتقاماً، بس عشان أشوف بنفسي نهاية القصة اللي بدأت بشماتة كاذبة، وانتهت بعدالة قاطعة.
جاء يوم المحاكمة.
القاعة في محكمة الجنايات كانت تعج بالحركة، وصوت المداولات وهمهمات المحامين تملأ الأرجاء. كنت أجلس في الصف الأول بجانب الأستاذ سامح، أرتدي طقماً أسود أنيقاً ونظارة طبية رفيعة، بكامل ثباتي وهدوئي.
على الجانب الآخر من القاعة، كانت ثريا تجلس في قفص . كل كبريائها القديم، كانت تبدو ضئيلة، يحيط بها الخوف، وتنكب على القضبان الحديدية وهي تنظر إليّ بين الحين والآخر بعيون ممتلئة بالتوسل . بجانب القفص كانت مروة تقف وهي تبكي بحرقة، بينما حضر حسام من المستشفى تحت حراسة مشددة، جالساً على كرسي متحرك، وجهه شاحب والكلابشات في يديه، مطأطأ الرأس لا يجرؤ على رفع عينيه في عيني.




