عام

حكايات زهره الربيع 3

نادى حاجب المحكمة بصوت جهوري: “محكمة!”

وقف الجميع في خشوع تام، وصعد رئيس المحكمة وعن يمينه وشماله المستشاران.

بدأت الجلسة، ووقف وكيل النيابة العامة ليترجل بكلمات : “سيدي الرئيس، إننا أمام جريمة استهانة بكرامة الفرد ومؤسسات الدولة. المتهمة لم تكتفِ بالافتراء والبلاغ الكاذب ضد مجني عليها لا ذنب لها سوى أنها أدت ما عليها وخرجت بالمعروف، بل طوعت الشرطة والنيابة لابتزاز الطليقة والتغطية على طيش ابنها وسلوكه المريب! نطالب بأقصى عقوبة لحماية المجتمع من هذا العبث.”

ثم أعطيت الكلمة للأستاذ سامح، الذي قدم مذكرة تعويض مدني مدعمة بتفريغ كاميرات المأذون، والتقرير الطبي، وتسجيلات المحادثات التي تثبت سوء النية والتخطيط للمكر والابتزاز.

محامي ثريا حاول استعطاف الهيئة، وتحدث عن سنها وحالتها الصحية، وأن ما حدث كان “زلة قدم وأمومة عمياء”، لكن القاضي كان يستمع بملامح حادة لا تنخدع بالمظاهر.

رفع القاضي الجلسة للمداولة.

ساعة كاملة مرت في القاعة، كانت بالنسبة لثريا وحسام كأنها دهور. مروة حاولت الاقتراب مني مجدداً في الاستراحة، لكن الأستاذ سامح وقف حائلاً بيننا وقال لها بحسم: “القضاء هو الصاحب الفصل يا أستاذة، بلاش إزعاج.”

رن صوت الحاجب مرة أخرى: “محكمة!”

وقفنا جميعاً. فتح رئيس المحكمة المظروف، ونظر نحو قفص ، ثم تلا الحكم بنبرة  هزت أركان القاعة:

“حكمت المحكمة حضورياً: أولاً،  المتهمة ثريا عبد الحميد سنة مع الشغل والنفاذ، وإلزامها بالمصاريف  البلاغ الكاذب  العمدي والتشهير. ثانياً، إحالة المدعو حسام أحمد الفولي إلى النيابة العامة برفقة حراسته لمباشرة التحقيق في قضايا التزوير والنصب وحيازة مواد محظورة والتستر على شبكة مشبوهة. ثالثاً، إجابة  بالحق المدني شهد أحمد لطلباتها وإلزام  بدفع تعويض مدني مؤقت قدره مئة ألف جنيه.”

طرق القاضي بالمطرقة.

صرخة مدوية انطلقت من حنجرة ثريا قبل أن  مغشياً عليها داخل القفص، بينما  مروة في البكاء ، وحسام وضع يديه المكلبتين على وجهه وانسكب في بكاء هيستيري وهو يُساق مع حراسته إلى الخارج.

نظرت إليهم لثوانٍ معدودة. لم أشعر بالشمت، ولا بالحزن.. شعرت فقط بسلام عميق ونظيف، سلام العدل الذي أخذ مجراه.

التفت للأستاذ سامح وصافحته: “شكراً يا أستاذ سامح.. على كل حاجة.”

“ده حقك يا أستاذة شهد، والقانون ما بيحميش المغفلين والمفتريين.”

خرجت من باب المحكمة إلى الشارع. النسيم الهادئ لمس وجهي، والهاتف في يدي رن برسالة من مهندس الديكور: “أستاذة شهد،   بالكامل وبدأنا ندهن الحوائط بالألوان الجديدة اللي اخترتيها.”

ابتسمت من قلبي، ركبت عربيتي، وقررت إن اليوم ده مش هروح فيه البيت.. اليوم ده هطلع فيه على البحر تاني، بس المرة دي وأنا شايلة من قلبي وعقلي كل بقايا الماضي، ومستعدة تماماً للخطوة الجاية.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى