روايات وقصص

بعد ٧ سنين حكايات زهره الربيع 1

بصيت لـ هدى وقلت: “خلي أحمد عندك يا هدى الليلة دي، خليه تحت عينك ورضعيه كل ما يصحى.. أنا راجع البيت أشوف المهزلة دي آخرتها إيه.”

هدى شالت أحمد بحنان وقالت: “ما تقلقش عليه يا سامح، أحمد في عينيا وفي قلبي، مش هيخرج من حضني لحد ما تطمن عليه.. روح أنت وشوف المصيبة دي.”

رجعت البيت، ودخلت الشقة. لقيت شنط الهدوم محطوطة عند الباب، وعلا قاعدة على الكنبة حضنة “محمد” ومخبياه كأنه في خطر، وأمي قاعدة قصادها بتبصلها بحسرة وذهول. أول ما علا شافتني دخلت، وقفت وقالت بصوت مليان تحدي وكبر:

“كويس إنك جيت.. أنا اتصلت ببابا وأخويا وهما في السكة، أنا مش قادرة أعيش مع واحد بيجبرني على حاجة مش طايقاها، وبيعاملني بالقوة في بيته!”

قربت منها وأنا بحاول أتحكم في أعصابي عشان ما أرتكبش جريمة: “جبرتك على إيه يا علا؟ جبرتك تنقذي ابنك من الموت؟ جبرتك تعملي اللي أي حيوانة في الجبل بتعمله مع عيالها من غير ما حد يقولها؟! أنتِ رميتي ابنك لدرجة إن الصفرا كانت هتضمر مخه، وجاية دلوقتي تتبلي وتقولي جبرتك؟”

علا صرخت وهي بتبصلي بجلود: “قلتلك مية مرة ده مش ابني! أنا مش حاسة بيه، أنا مش عايزه أحمد! خده أنت، ارميه، اديه لأختك، اعمل فيه اللي تعمله! لكن محمد بتاعي أنا، ومحدش هيبعدني عنه، وأنا ماشية بيت أبويا لحد ما تعرف قيمتي وتعرف إنك ظلمتني لما حطيت العيل ده في كفتي مع ابني!”

أمي وقفت وصرخت فيها: “اتقي الله يا شيخة! اتقي الله في النعمة اللي ربنا ادهالك بعد ٧ سنين حرمان! ربنا اديكي تؤم عشان يفرح قلبك، تقوم تصنفي فيهم وتكرهي واحد وتحبي واحد؟! ده عقاب ربنا هيبقى شديد عليكي يا علا!”

علا ماردتش على أمي، ودارت وشها ناحية الباب لما سمعت خبط شديد. كان أبوها وأخوها الكبير حاتم.

فتحت الباب، دخل أبوها عم حسنين وهو باين عليه الغضب، وأخوها حاتم وشه مكشر وزايغ.

حسنين بصلي بغضب وقال: “في إيه يا سامح؟ اتصلت بينا بنتي وهي بتعيط وتقول إنك هجمت عليها وعايز تضربها عشان مش قادرة ترضع؟ هي السايبة بقت سايبة ولا إيه يا ابن الناس؟”

حاتم اخوها قرب مني وبصوت عالي: “إحنا جوزناهالك عشان تصونها، مش عشان تستقوى عليها وهي لسة طالعة من ولادة وتعبانة وشايلة تؤم!”

أنا وقفت مصدوم من كمية التشويه للحقائق اللي علا نقلتهالهم في دقائق. بصيت لـ عم حسنين وقلت بصوت هادي بس مليان غضب مكتوم: “يا عم حسنين.. اسمع مني الأول قبل ما تحكم. بنتك ما حكتلكش الحقيقة.. بنتك سابت ابنها أحمد يغلي من السخونية والصفرا وصلت لأعلى مستوياتها، ولما الدكتور قال لبن الأم فوراً هو اللي ينقذه، رفعت صوتها وقالتلي ‘مش هرضعه.. ده مش ابني ولبني مش ليه’! بنتك ميزت بين تؤم اتنين ولدوا في نفس اللحظة، بترضع واحد طبيعي وتهتم بيه، والتاني سايباه يذبل ويموت وكأنه مش ابنها!”

عم حسنين بص لـ علا بذهول وصدمة، الملامح الغاضبة على وشه بدأت تتبخر وتتحول للحظة شك: “إيه الكلام ده يا علا؟ الكلام ده بجد؟ أنتِ رفضتي ترضعي أحمد؟”

علا ارتبكت للحظة، بس سرعان ما استرجعت قسوتها وقالت لأبوها بتماسك مزيف: “يا بابا.. أنا معنديش لبن يكفي اتنين، وأنا تعبانة ونفسيتي مدمرة، وسامح مش مقدر ده! أحمد بيبكي طول الليل ومخليني مش عارفة أهتم بـ محمد، ولما قلتله أديله صناعي زقني وزعق فيا ومسكني بغل! أنا مش قادرة أستحمل الضغط ده كله، أنا عايزة أجي معاكم البيت أستريح!”

حاتم أخوها بص لـ علا وبعدين بصلي وقال: “طب ما هو كلامها صح يا سامح! الست تعبانة وهرمونات الولادة مأثرة عليها، تصبر عليها شوية، ليه تعمل مشكلة وتجبرها؟ ادوا الولد صناعي وخلاص، كبرتوا الموضوع ليه؟”

صرخت في حاتم وأنا مابقيتش قادر أمسك أعصابي: “كبرنا الموضوع؟! الدكتور بنفسه قال اللبن الصناعي مش هيعمل حاجة مع نسبة الصفرا والسخونية دي! الدكتور قال لبن الأم خط أحمر ولازم ينزل في بطنه دلوقتي! أختك مش مجرد تعبانة يا حاتم، أختك بتقول كلام يجنن.. بتقول أحمد ده طفيلي ولعنة وجاي يشارك ابنها محمد في رزقه! أختك محتاجة دكتور نفساني مش محتاجة استراحة في بيتكم!”

الأوضة سكتت تماماً بعد كلمتي. عم حسنين بص لبنته بذهول حقيقي المرة دي: “أنتِ قولتي الكلام ده يا علا؟ قولتي إن ابنك طفيلي ولعنة؟”

علا بصت للأرض وما ردتش، كفوفها كانت بتعصر الهدوم اللي لافة بيها “محمد”. السكوت ده كان الاعتراف الصريح باللي قالته.

عم حسنين مسح على وشه بتعب، ونبرة صوته اتغيرت تماماً من الهجوم للدفاع المنكسر: “يا سامح يا بني.. اهدى بس. علا أختك كبرت في بيتنا وعارفين إنها طيبة، يمكن تكون نوبة اكتئاب بعد الولادة، في ستات كتير بيجيلهم هلاوس واكتئاب حاد بعد الخلفه، خصوصاً إنها كانت محرومة ٧ سنين وجابت اتنين مرة واحدة.”

أمي اتدخلت وقالت بصوت حاد: “اكتئاب إيه يا أستاذ حسنين؟! الاكتئاب بيخلي الأم تكره التؤم كلهم وتكتئب من العيشة، مش بتحضن واحد وبتبوسه وتسهر عليه، وتيجي عند التاني ترميه وكأنه عيل لقيط من الشارع! دي مش هرمونات، دي قسوة ونية مش طببيعية جوة قلبها!”

علا شالت الشنطة بإيدها والتانية ماسكة بيها “محمد”، وقالت بصوت مفيش فيه أي تراجع: “أنا ماشية يا بابا..مش هقعد هنا ثانية واحدة تانية. وسامح لو عايز ابنك أحمد ده، خليه عنده أو يديه لأخته ترضعه، أنا مش راجعة البيت ده إلا لما الواد ده يغور من هنا ومشوفش وشه!”

الكلمة كانت كف على وشي.. “لما الواد ده يغور من هنا ومشوفش وشه!”.. بتتشرط عشان ترجع بيتها إننا نتخلص من ابنها الرضيع!

عم حسنين حاول يهدّيها: “عيب يا علا! إيه اللي بتقوليه ده؟ ده ابنك وضناكي!”

لكن علا ما سمعتش لأحد، مشيت ناحية الباب وسحبت شنطتها وأخوها حاتم وراها، وهو باين عليه المحايرة مش عارف يدافع عنها ولا يلومها. عم حسنين بصلي وقال بكسرة: “سامح يا بني.. سيبها تهدي يومين عندي في البيت، وأنا بنفسي هقعد معاها وأفهم في إيه، ونعرضها على دكتور لو لزم الأمر.. حقك عليا.”

خرجوا كلهم وسابوا الشقة فاضية.. فاضية وساكتة زي القبر.

أمي قعدت على الكنبة وهي بتبكي وبتهز رأسها: “حسبي الله ونعم الوكيل.. حسبي الله ونعم الوكيل في اللي يرفض نعمة ربنا. ٧ سنين بنبكي ونتبهدل عند الدكاترة، ولما ربنا يفرجها تعمل في الضنى كده؟”

قعدت على كرسي المائدة، حاطط راسي بين إيديا. أفكاري كانت بتطحن في عقلي طحن. إزاي الموقف ده حصل؟ إزاي علا اللي عشت معاها ٧ سنين بتمنى أظفر ظافر عيل منها، تطلع بالبشاعة دي؟ هل ده فعلاً اكتئاب بعد الولادة حاد ومرض نفسي مفاجئ؟ ولا كان في حاجة استخبت عليا طول السنين دي وأنا ما كنتش شايفها؟

ليه أحمد بالذات؟ ليه اخترت تطلع كل كرهها وقسوتها على عيل ملوش ذنب، ورضيع ما كملش أسبوعين في الدنيا؟

طلعت تليفوني واتصلت بـ هدى أختي.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى