
هدى ردت بصوت واطي: “أيوة يا سامح.. أحمد نام والحمد لله الحرارة بدأت تنزل، ورضع كويس جداً.. إيه اللي حصل عندك؟”
غمضت عيني وقلت بتعب: “علا أخدت محمد ومشت مع أهلها يا هدى.. ومصرة إنها مش هترجع غير لما أحمد يبعد عن البيت تماماً.”
هدى شهقت من الصدمة: “يا نهار أسود! دي اتجننت رسمي! وبتقولها بوجه حق كده؟”
قلتلها: “أنا مش فارق معايا هي راحت فين دلوقتي يا هدى.. المهم عندي أحمد. أحمد أمانة عندك الليلة دي، وصباح ربنا هاجي اخده ونطلع بيه على أكبر دكتور أطفال ودكتور نفساني كمان نفهم إيه المصيبة اللي إحنا فيها دي.”
هدى قالت بثبات: “أحمد ابنك هو ابني يا سامح، يفضل معايا لحد ما تشيله على كفوف الراحة.. بس أنت لازم تكون قوي، الموقف ده محتاج راجل مش مكسور.”
قفلت مع هدى، وقعدت في الصالة مع أمي لحد ما الفجر أذن. ما نزلش ليا جفن، ولا قدرت أغمض عين. كل ما أغمض عيني، أشوف منظر أحمد وهو بيغلي من السخونية ووشه أصفر، وأسمع صوت علا وهي بتقول ببرود: “اديله قطرتين دوا.. ده لبني وأنا حرة فيه.”
أول ما الشمس طلعت، أخدت دش بارد عشان أصحسح، ونزلت رحلت لبيت أختي هدى. أخدت أحمد في حضني، كان شكله أحسن بكتير، وجهه بدأ يرد فيه اللون الوردي بعد ما شرب لبن طبيعي وشبع، الصفرا كانت لسة باينة في عينيه بس بنسبة أقل بكثير من امبارح.
أخدت أحمد وطلعت بيه على الدكتور عادل، ده دكتور أطفال كبير وصديق قديم للعيلة، وعارف قصتنا ولفنا على الدكاترة طول الـ ٧ سنين اللي فاتوا.
دخلت عليه العيادة، الدكتور عادل استقبلني بابتسامة، بس ابتسامته اختفت أول ما شاف وشي المجهد وإن علا مش معايا وإن معايا طفل واحد بس من التؤم.
“سامح؟ خير يا بني؟ مالك شكلك مجهد كده ليه؟ وأين علا ومحمد؟ وأحمد ماله؟”
حطيت أحمد على سرير الكشف، وقعدت قصاد الدكتور عادل، وحكيتله كل حاجة.. كل حرف حصل من لحظة الولادة في المستشفى، لحد امتناع علا عن رضاعته، ولحد كلامها المرعب عن أحمد إنه “طفيلي ولعنة”، ولحد ما سابت البيت وأخدت محمد ومشت.
الدكتور عادل كان بيسمعني وهو ساكت تماماً، ملامح وشه كانت بتتغير من الذهول للغضب للحزن الحاد. بعد ما خلصت كلامي، قعد ساكت لمدة دقيقة كاملة، وبعدين قام كشف على أحمد بدقة، فحص عينيه وجلده ونبضه.
رجغ قعد على مكتبه وقال بصوت جاد جداً: “أولاً يا سامح.. من الناحية الطبية للأطفال، أحمد حالياً أفضل، السخونية نزلت، بس الصفرا لسة محتاجة متابعة ولازم يستمر في الرضاعة الطبيعية مكثفة لعدة أيام، والحمد لله إن أختك رضعته، لو كان قعد ٢٤ ساعة كمان من غير لبن طبيعي وبسخونية دي، كان ممكن يدخل في مضاعفات خطيرة جداً على المخ.”
أخدت نفس طويل وقلت: “الحمد لله يا دكتور.. طب ومن ناحية علا؟ إيه اللي بيحصل ده؟ هل ده مرض؟ اكتئاب بعد الولادة يعمل كده؟”
الدكتور عادل هز رأسه ببطء وقال: “بص يا سامح.. اكتئاب ما بعد الولادة (Postpartum Depression) أو حتى ذهان ما بعد الولادة (Postpartum Psychosis) دي حالات طبية معروفة وموجودة. الست ممكن يجيلها هلاوس، ممكن تخاف من عيالها، ممكن تحس إنها مش قادرة تشيل المسؤولية أو يجيلها أفكار إنتحارية أو أفكار بالضرار للطفل.. لكن…”
الدكتور سكت شوية وبصلي في عيني مباشرة: “لكن الذهان أو الاكتئاب لما بيصيب الأم، بيصيب موقفها من الأمومة ككل أو من الأطفال كلهم! الأفكار الهلوسية ما بتفرّقش بين تؤم وتؤم بنفس الدقة والتنظيم ده! إنها تكره طفل وتعتبره لعنة وتعامله بقسوة وبخل، وفي نفس الوقت تفيض بالحب والحنان والاهتمام المبالغ فيه على التؤم التاني.. ده مش النمط التقليدي لاكتئاب بعد الولادة يا سامح.”
جسمي اقشعر: “يعني إيه يا دكتور؟ يعني علا مش مريضة؟”
الدكتور عادل قال بتفكير: “أنا مش دكتور نفساني عشان أديك تشخيص جازم، لكن المشهد ده بيميل لأحد احتمالين: يا إما عندها ذهان نادِر جداً وموجه (Targeted Psychosis) ارتبط بعقدة أو فكرة قديمة في عقليتها الباطنة أثناء فترة الحمل والـ ٧ سنين حرمان.. يا إما في سر تاني خالص أنت ما تعرفوش يا سامح! سر خلى علا تبص لـ ‘أحمد’ تحديداً بعين الكره والرفض المطلق!”
كلمات الدكتور عادل نزلت عليا زي الشوك. “سر تاني؟ سر إيه اللي ممكن يكون بين أم وطفل رضيع ولدته بنفسها من أسبوعين؟!”
خرجت من عيادة الدكتور عادل وأنا شايل أحمد، عقلي بيلف في دوامة مالهاش آخر. كلام الدكتور حط صباعه على الجرح.. الذهان أو الاكتئاب ما بيميزش بالدقة دي! الحب الجارف لـ محمد، والكره المطلق لـ أحمد.. دي مش مجرد هرمونات متلخبطة، دي حاجة أغبي وأعمق بكتير.
رجعت على بيت أختي هدى، حطيت أحمد أمانة عندها، وقلت لها: “هدى.. أحمد يفضل هنا، مش هيخرج من بيتك، وأنا هتكفل بكل مصاريفه وحاجته، ولو حصل إيه مش هيلمس بيت علا تاني لحد ما أفهم في إيه.”
هدى بصلتي بخوف: “وأنت ناوي تعمل إيه يا سامح؟”
قلتلها وعيني مليانة إصرار: “أنا رايح لبيت أهل علا دلوقتي.. المشاورة دي لازم تنتهي، والسر ده لازم ينكشف النهاردة!”
ركبت عربيتي وتوجهت لبيت حمايا عم حسنين. الطريق كان كأنه شوك، أفكاري كانت بتجيب وتودي. 7 سنين عشتهم مع الست دي، كانت فيها الزوجة المطيعة، المحبة، الصابرة معايا على عدم الخلفه، كنا بنروح للدكاترة إيدنا في إيد بعض.. إزاي الست دي هي نفسها اللي شفتها امبارح بتبص لابنها بقرف وتقول “ده طفيلي ولعنة”؟! إيه اللي اتغير في التسع شهور بتوع الحمل؟ إيه اللي حصل جوة الأوضة دي أو جوة دماغها؟
وصلت بيت حمايا، طلعت السلم بخطوات ثقيلة ومصممة. خبطت على الباب.
فتحتلي حماتي.. ست كبيرة وطيبة، أول ما شافتني دموعها نزلت وقالت بصوت خافت: “ادخل يا سامح يا بني.. ادخل يا حبيبي، والله العظيم إحنا مكسوفين منك ومن اللي علا بتعمله.”
دخلت الصالة، لقيت عم حسنين قاعد وحاطط إيده على خده، وحاتم أخوها قاعد جنب التليفزيون. وعلا.. كانت قاعدة جوة في الأوضة، وصوت “محمد” بيبكي وهي بتهديه جوة.
عم حسنين قام وقف أول ما شافني: “تعال يا سامح يا بني.. قعد يا حبيبي.”
قعدت وقاطعت أي مقدمات، قلت بصوت حاد ومباشر: “عم حسنين.. أنا مش جاي أعتب ولا أعمل مشكلة. أنا جاي آخد إجابة واحدة.. علا فين؟ نديهالي تقعد هنا قدامك وقدام أخوك وأمها، وعايز أعرف السبب الحقيقي ورة اللي بتعمله مع أحمد.. ومن غير كذب ولا تحوير بتاع هرمونات واكتئاب، لأن الدكاترة أكدوا لي إن اللي بتعمله ده ملهوش أي علاقة باكتئاب الحمل!”
عم حسنين بص لحاتم، وبعدين نادي بصوت عالي: “علا! اطلعي يا علا اطلعي اتكلمي مع جوزك!”
بعد لحظات، خرجت علا من الأوضة، كانت شايلة محمد على صدرها، ملامحها كانت باهتة بس عيونها لسة فيها نفس التحدي والقسوة. قعدت على كرسي قصادي، وما بصتش في عيني حتى.
قلتلها بثبات: “علا.. أحمد امبارح كان هيموت، وأختي هدى هي اللي أنقذته ورضعته، والدكتور قال إن الولد كان هيحصله تدمير في المخ لو كان قعد ساعة كمان من غير لبن. أنتِ دلوقتي قاعدة هنا ومبسوطة ومسكّتة محمد.. أنا مش هسألك ترجعي ولا ما ترجعيس، أنا عايز أعرف حاجة واحدة بس.. ليه أحمد؟ ليه أحمد بالذات اللي بتكرهيه كده؟ أنتِ خبية عليا إيه يا علا من ٩ شهور؟”
علا بصتلي، ولأول مرة شفت في عينيها لمعة ارتباك شديدة، كأن السؤال ضرب نقطة ضعيفة كانت مستخبية. مسكت محمد جامد وقالت: “مفيش حاجة مستخبية يا سامح! قلتلك مية مرة أنا مش حاسة بيه، أنا حاسة إن محمد هو ابني، وأحمد ده غريب عني!”
وقفت من مكاني وزعقت بصوت هز الأوضة: “كدابة! أنتِ كدابة يا علا! الأم مش بتحس إن ابنها غريب من الفراغ! أنتِ من أول يوم في الحمل، من أول ما عرفتي إنهم تؤم، وأنتِ تتصرفي بغرابة! كنتِ بتروحي للدكتور لوحدك في أوقات كتير، كنتِ بترقبي السونار بنظرات غريبة.. في حاجة حصلت في فترة الحمل دي أنتِ مخبياها عليا وعلى أهلك! انطقي بدل ما قسم بالله قضايا الإهمال والشروع في قتل طفل هتوصل للنيابة النهاردة!”
عم حسنين وقف مرعوب: “نيابة إيه يا سامح يا بني! اهدى بس صلِ على النبي!”
قلتله بغضب: “الرسول عليه الصلاة والسلام قالي ارحموا من في الأرض! بنتك كانت هتموت طفل رضيع عماره أسبوعين! دي جريمة بالقانون وبالدين!”
علا جسمها بدأ يترعش، والارتباك اتحول لخوف حقيقي لما سمعت كلمة النيابة والقضايا. بصت لأبوها وأمها، وبعدين بصتلي والدموع بدأت تنزل من عينيها، بس مش دموع ندامة.. كانت دموع خوف من الفضيحة!
سكتت لحظات، الصمت في الأوضة كان كأنه خناق بتخنق الكل. وبعدين، مسحت دموعها بإيدها وهي بتهتز، وبصتلي بصة مكسورة وقالت بصوت مبحوح واطي جداً، صوت نزل على المسامع زي الفأس اللي بيقطع الشجر:
“عايز تعرف ليه يا سامح؟ عايز تعرف أنا ليه مش قادرة أطيق أحمد وليه مش قادرة ألمسه أو أرضعه؟”
قربت منها خطوة وقلت: “انطقي.. قولي السبب اللي يبرر الجرم ده!”
علا بلعت ريقها بصعوبة، ونظرت لأبوها وأمها اللي كانوا مبصين لها بذهول، وبعدين بصتلي وقالت الكلمة اللي خلّت الرعب والذهول يضربوا الأوضة كلها، كلمة غيّرت مجرى حياتنا للأبد:
“عشان أحمد… أحمد مش ابنك يا سامح!”
لليصلك كل القصص الكامله تابعو صفحه رومانى مكرم
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




