
شفت في عينيها إنها كانت عايزة ترفض وتقول لا، بس نظرة الغضب اللي كانت في عيني وخوفتها وخلتها تقوم وتلبس وتنزل معايا من غير كلام.
وصلنا العيادة، الدكتور كشف عليه ووشه اتغير، قالنا: “الولد عنده الصفرا عالية جداً، ونسبة السخونية دي خطر عليه.. لازم يرضع طبيعي وبكثافة الفترة دي من لبن الأم، لبن الأم هو اللي هيغسل جسمه ويحميه.”
رجعنا البيت، وأول ما دخلنا الأوضة، كانت رايحة تشيل “محمد” تاني كأنها مسمعتش كلمة من اللي الدكتور قالها!
مسكت إيدها بغيظ شديد وسحبت “محمد” منها حطيته في السرير، وقلت ونبرة صوتي حادة زي السيف: “رضعي أحمد!.. مسمعتيش الدكتور قال إيه؟!”
بصتلي وهي بتهرب بعينيها في الأوضة، وبتقول : “هرضعهم هما الاتنين.. بس هات اسكّت محمد الأول عشان مش عارفة أركز.”
زعقت فيها بأعلى صوت عندي وقلت: “لا! هترضعي أحمد.. ودلوقتي قدامي!”
في اللحظة دي، هي خرجت عن شعورها تماماً.. وشها اتغير وصرخت في وشي بغضب وهي بتبعد عني: “لا! لا يعني لا! مش هرضعه.. ده لبني أنا، وأنا حرة فيه!”
وقفت مذهول، الصدمة شلت لساني لجزء من الثانية.. بصيت في عينيها وسألتها بصوت مبحوح : “وايه السبب يا علا ؟!.. ليه بتعملي كده في ابنك؟!”
واللي سمعته منها في اللحظة دي.. كلام مستحيل يخطر على بال أم، ولا بني آدم على وجه الأرض.. كلام خلاني أقف مكاني مش قادر أستوعب، وعقلي هيطير من شدة الذهول!
وقف الوقت في الأوضة، وكأن الهواء أتسحب مرة واحدة. بصيت في عينيها المستقتلة، وشفت فيهم نظرة مش نظرة أم لخوفها على ابنها، ولا حتى نظرة واحدة عندها اكتئاب بعد ولادة.. كانت نظرة قسوة وشر وحقد ما شفتهمش في حياتي كلها، ولا حتى في عيون أعدائي.
قربت منها خطوة، صوت خطواتي كان زي الدق على السندان، صرخت فيها بصوت مكتوم مالي الأوضة غضب: “انطقي! سبب إيه اللي يخلي أم ترمي حتة منها؟ سبب إيه اللي يخليكي تشوفي ضناكي بيموت من السخونية والصفرا وتقوليلي ‘اديله قطرتين’ وتديري وشك عنه؟! ده ابنك يا علا.. ابننا اللي قعدنا ٧ سنين بنبكي في كل سجدة عشان حتة منه!”
علا رجعت خطوة لورا، ظهرها لزق في دولاب الهدوم، كفوف إيدها كانت بتتأعش، بس وشه كان متشنج، ملامحها اتغيرت تماماً كأن اللي واقفة قدامي دي واحدة تانية خالص غير اللي عشت معاها السنين دي كلها. بصت على “أحمد” المرمي على السرير وبيئن بصوت خافت زي الطير المذبوح، وبعدين بصتلي وقالت بصوت طالع من بين سنانها، صوت مالي كره وشماتة:
“ابني؟! مين قالك إنه ابني؟ أحمد ده مش ابني يا سامح.. ده اللعنة اللي جات عشان تطير الفرحة من البيت! ده الواد اللي واخد رزق محمد، ده اللي جه يشارك ابني الحقيقي في كل حاجة!”
الكلمات نزلت عليا زي المطرقة، أخدت نفس بالعافية، عقلي مش قادر يربط الكلام ببعضه. “يعني إيه مش ابنك؟ أنتِ اتجننتي؟ أنتِ حبلتي فيهم هما الاتنين سوا، وولدتي اتنين تؤم قدام عيني وفي المستشفى! بطنك دي هي اللي شالتهم هما الاتنين، هتتجنني ولا البنج لحس دماغك؟!”
ضحكت.. ضحكة مكتومة، سردت في الأوضة بشكل يرعب، ضحكة مش طبيعية وقالت: “بطني شالت اتنين، أه.. بس ربنا لما كان هيعوضنا بعد ٧ سنين، كان هيعوضنا بـ ‘محمد’ بس! محمد هو الابن اللي حلمت بيه، هو اللي شفته في منايا، هو اللي كنت بحس بنبضه وبيملى عليا دنيتي. إنما أحمد؟ أول ما حسيت بحركته في جهة الشمال في بطني، كان كل يوم بيجيلي وجع وغمة، كنت بشوف كوابيس، كنت بحس إن في طفيلي داخل جوة جسمي بياكل من صحتي عشان يشارك ابني محمد في لبني وفي حبك وفي كل حاجة!”
وقفت منذهول، مش مصدق اللي بتنطق بيه. كمية الجهل أو المرض النفسي أو الشر اللي بيتكلم من لسانها كانت أسرع من قدرتي على الاستيعاب. صرخت فيها: “أنتِ بتقولي إيه؟! دي خرافات! ده عيل ملهوش ذنب، ده طفل رضيع، قطعة منك ومني! الصفرا بتاكل في جسمه وأنتِ قاعدة تفكري في كوابيس وخرافات فارغة؟!”
قربت من السرير، سحبت “محمد” وحضنته بانهيار وحرقة مبالغ فيها، وقعدت تعيط وهي بتبص لـ “أحمد” بقرف وقالت: “أنا مش هرضعه يا سامح.. اللبن ده نزل عشان محمد، محمد بس اللي يستاهله. أحمد لو شرب نقطة واحدة من لبني هيسمه، هيخد منه صحته، أنا بحس بقرف كل ما يقرب من صدري، بحس كأني برضع حاجة غريبة عني، حاجة معدية! لو عايز تديله صناعي اديله، لو عايز توديه لأي حد يرضعه خده وغور بيه، لكن أنا.. صدري ده مش هيلمسه حتى لو مات قدامك!”
في اللحظة دي، حسيت إن الدم اتجمد في عروقي. الخوف على “أحمد” كان أكبر من أي ذهول. الولد كان وشه باهت، أنفاسه متقطعة والسخونية مخلية جسمه بيترعش. ما بقاش في وقت للكلام ولا للمناهدة مع واحدة غايبة عن الوعي والعقل بالطريقة دي.
زقيتها بعيد عني بقوة، مسكت “أحمد” ولفيته في الفوتة بتاعته بسرعة، شيلته على صدري، كنت حاسس بنار جسمه بتخترق هدومي. خرجت من الأوضة وأنا بجري، وهي ورقت في مكانها ماسكة محمد ومستمرة في عياطها الهستيري ولا كأنها شايفانا وطالعين.
نزلت السلم بجري، أمي كانت قاعدة في الصالة تحت، شافتني نازل ووشي أصفر والولد في إيدي ومغطى، قامت مرعوبة: “في إيه يا سامح؟ مالك يا بني؟ والولد ماله؟”
قلتلها بصوت بيترعش ودموعي نازلة مش قادر أمسكها: “أمي.. الحقيني، علا اتجننت، علا رافضة ترضع أحمد، والولد بيموت مني، سخن نار والصفرا عالية عليه والدكتور قال لازم يرضع طبيعي حالاً!”
أمي لطمت على صدرها بصدمة: “إيه؟! رافضة ترضع ابنها؟ يعني إيه رافضة ترضعه؟ هي الجنان وصل لكده؟!”
قلتلها وأنا بتنفس بصعوبة: “مفيش وقت يا أمي للحيارات، الولد جسمه بيسقط مني، لازم نتصرف، اللبن الصناعي مش هيعمل حاجة والدكتور أكد إن لبن الأم أو لبن طبيعي هو اللي هيغسل الصفرا دي فوراً قبل ما تأثر على مخه!”
أمي مسحت دموعها وقالت بصلابة الأمهات الكبار: “هات الواد يا سامح.. اطلع على بيت أختك هدى فوراً، هدى لسة والدة من شهرين ولبنها خير ربنا ماليه، روحولها يابني وهي بترضع، تجري بيه على هناك وأنا طالعة للمجنونة دي فوق أشوف إيه اللي جرى في عقلها!”
أخدت أحمد وجريت على العربية، الشوارع كانت فاضية في الوقت ده من الليل، كانت الساعة قريبة من ٢ أصل الليل. المسافة لبيت أختي هدى كانت حوالي 10 دقائق، لكن الدقائق دي عدت عليا كأنها قرون. كنت بص لـ أحمد جنب على الكرسي، عيونه المغمضة، ونفسه الصغير المتسارع، وأنا بدعي ربنا في سر كل لحظة: “يا رب.. ٧ سنين وأنا بستناك، يا رب ما تفجعنيش في واحد منهم، يا رب أحميه من قسوة أمه.”
وصلت بيت أختي، خبطت على الباب بهستيريا. فتح جوزها وهو مرعوب من طريقة الخبط، دخلت زايغ العينين، هدى أختي طلعت جري من الأوضة وهي شايالة بنتها الصغيرة.
“سامح! في إيه يا أخويا؟ مالك أحمد ماله؟”
حطيت الولد في إيدها وأنا بنهج وببكي: “هدى.. الحقي ابن أخوكي.. علا رافضة ترضعه، والولد الصفرا طالعة على عينيه وسخونية تفرتك الصخر، الدكتور قال لازم لبن طبيعي فوراً وبكثافة عشان ينزل السموم من جسمه.. رضعيه يا هدى أرجوكي، اعتبريه ابنك!”
هدى بصتلي بذهول وعدم تصديق، لكن حريز الأمومة جواها كان أسرع من أي استفسار. سحبت “أحمد” لصدريها على طول، وقعدت على الكنبة وغطته وبدأت ترضعه. أحمد في الأول كان ضعيف مش قادر يشفط، كان بيعيط بضعف، بس مع محاولات هدى والصبر عليه، بدأ يرضع بنهم كأنه كان جعان ومحروم من أيام!
دموعي نزلت بغزارة وأنا بشوف المشهد.. أختي بترضع ابني بحنية ودموعها نازلة على وشه، في حين إن أمه الحقيقية قاعدة في البيت حسادة إياه في نقطة اللبن ومستخسرة فيه الحياة!
قعدت جنب هدى وأنا بحط إيدي على راس “أحمد”، حاسس بقلبي بيتقطع. بعد نص ساعة من الرضاعة والمتواصلة، الولد هدي تماماً، ونام على صدر أختي، وجسمه بدأ يهدى شوية والعرَق طلع منه.
هدى بصتلي وهي بتمسح دموعها وقالت بصوت واطي: “سامح.. هي علا جرى لمخها إيه؟ في أم في الدنيا تعمل كده؟ ده الولد كان ميت من الجوع والجفاف! لبن الببرونة مش كافي لحالته، هي كانت سايباه كده إزاي؟”
تنهدت بكسرة وقلت: “مش عارف يا هدى.. بتقولي كلام يجنن، بتقول إن أحمد ده لعنة، وإن محمد بس هو ابنها، وإن أحمد واخد رزقه وخايفة يشارك محمد في اللبن وفي حبنا! كلام ملوش أي معنى غير إن في حاجة مكسورة ومريضة جوة دماغها!”
في الوقت ده، تليفوني رن.. كانت أمي.
رديت بسرعة: “أيوة يا أمي.. إيه الأخبار عندك؟ علا عملت إيه؟”
صوت أمي كان متوتر وبيترعش: “سامح.. تعال فوراً يا بني.. علا لمّت هدومها وأخدت محمد وقاعدة في الصالة مستنية أبوها وأخوها ييجوا ياخدوها! بتقول إنك ضربتها وإنك عايزه تجبرها ترضع عيل هي مش قادرة تشيله، ومصرة إنها تسيب البيت!”
الخبر نزل عليا كالصاعقة. بدل ما تفوق وتراجع نفسها، رايحة تقلب الطاولة وتعمل مشكلة وتلم أهلها؟!
قلت لأمي: “خليكي عندك يا أمي، أنا جاي فوراً.”




