روايات وقصص

ابن سلفتي حكايات زهره الربيع 4

الرجل لم يرد.

عبد المجيد صرخ:

“امشِ من هنا!”

ضحك الرجل.

“لسه بدري يا أستاذ.”

ثم أخرج من جيبه ورقة قديمة، ولوّح بها أمامهم.

“لأن الورقة دي… بتثبت إن الأرض اللي عايشين عليها مش ملككم أصلًا.”

مجدي اندفع ناحيته:

“كذاب!”

الرجل ابتسم.

“بكرة الصبح المحكمة هتعرف مين الكذاب.”

ثم عاد إلى سيارته.

تحركت السيارة واختفت في آخر الطريق.

مجدي ظل واقفًا مكانه.

علية قربت منه:

“إيه الورقة دي؟”

عبد المجيد أغلق الملف بسرعة.

وقال:

“دي مش ورقة ملكية.”

علية نظرت له:

“أمال إيه؟”

قال:

“دي ورقة تثبت إن أبوك نفسه…”

توقف.

مجدي صاح:

“أبوك إيه؟!”

عبد المجيد رفع عينيه وقال:

“أبوك كان شاهد على اتفاق سري.”

علية شعرت أن الأرض تميد تحت قدميها.

“اتفاق إيه؟”

عبد المجيد أجاب:

“اتفاق كان المفروض يختفي من عشرين سنة.”

ثم نظر إلى صالح.

“لكن وجودك يا صالح… ممكن يكون السبب الوحيد اللي يخلي الحقيقة تظهر.”

وفي تلك اللحظة، خرج صالح من البيت وهو ماسك الصورة القديمة.

كان بيبص للرجل الثالث فيها.

ثم قلبها.

ولما قرأ الجملة المكتوبة خلفها، رفع عينيه لأمه وقال:

“يا أمي…”

سكت.

ثم قال:

“هو ليه اسم أبويا مكتوب تحت الصورة؟”

علية خطفت الصورة من إيده.

وتوقفت أنفاسها.

لأن تحت الجملة كان مكتوب بخط واضح:

“مجدي يعرف الحقيقة… لكنه لا يعرف أنه يعرفها.”

رفعت علية عينيها لزوجها.

ومجدي نفسه لم يفهم شيئًا.

لكن عبد المجيد…

كان قد شحب وجهه تمامًا.

وقال كلمة واحدة:

“انتهى وقت السكوت.”

ثم أغلق الباب خلفهم.

“لازم نحكي لمجدي الحقيقة اللي أبوه أخفاها عنه يوم اتولد.”
نكمّل، ونكشف السر تدريجيًا مع الحفاظ على نفس اللهجة والجو الدرامي:

الكتابة

الليل نزل على البيت تقيل.

ولا واحد فيهم قدر ينام.

مجدي كان قاعد في صدر الحوش، قدامه الصورة والملف القديم، وكل شوية يبص لعبد المجيد كأنه مستني منه كلمة تنهي الحيرة اللي أكلت دماغه.

علية كانت قاعدة جنبه، وصالح نايم في أوضته، لكن إحساسها كان بيقول إن الليلة دي مش هتعدي زي أي ليلة.

مجدي أخيرًا انفجر:

“اتكلم يا أستاذ عبد المجيد! أنا تعبت من الأسرار. إنت بتقول إن أبويا كان شاهد على اتفاق سري، وإن في حاجة اتخبّت عني من يوم ما اتولدت. إيه هي؟”

عبد المجيد مسح وشه بإيده، وقال:

“أبوك قبل ما يتوفى بشهور، طلب مني أحفظ سر ما كنتش أتمنى في يوم إني أضطر أطلعه.”

“سر إيه؟”

“أبوك كان عارف إن أخوه منصور دخل في شراكة مع تاجر أراضي كبير. الشراكة دي كان هدفها السيطرة على جزء كبير من أملاك العيلة.”

مجدي قاطعه:

“وده عرفناه.”

عبد المجيد هز رأسه:

“لأ… اللي ما تعرفوش إن أبوك اكتشف إن التاجر ده كان بيزوّر عقود قديمة، وبيشتري ذمم ناس في البلد عشان يثبت ملكية أراضي مش ملكه.”

علية قالت:

“يعني أبو مجدي كان بيحاول يفضحه؟”

“بالضبط.”

ثم أخرج ورقة أخرى.

“وقبل ما يقدم المستندات للنيابة، حصلت حاجة.”

مجدي قال:

“إيه؟”

“أبوك مات.”

سكت الجميع.

مجدي تنفس ببطء.

“هو مات ميتة طبيعية.”

عبد المجيد بص له طويلًا.

“ده اللي اتقال لكم.”

علية شعرت بقلبها يقفز.

“تقصد إن موته…”

المحامي رفع يده:

“أنا ما عنديش دليل يقول إنه اتقتل. وما ينفعش أتهم حد من غير دليل. لكن عندي حاجة واحدة مؤكدة.”

“إيه؟”

“أبوك كان خايف.”

مجدي سكت.

عبد المجيد فتح الملف وأخرج ورقة بخط يد قديم.

“دي آخر رسالة كتبها لي.”

ناولها لمجدي.

بدأ مجدي يقرأ.

وبعد أول سطر، إيده بدأت ترتعش.

علية قربت منه:

“اقرأ بصوتك.”

مجدي ابتلع ريقه:

“يا أستاذ عبد المجيد… لو حصل لي شيء، ما تسلمش الورق لحد من إخواتي. الورق يتسلم لمجدي وحده عندما يبلغ سن الرشد.”

سكت.

ثم أكمل:

“وإن اضطررت، احفظه لحد ما يظهر الشخص اللي أقدر أثق فيه.”

مجدي رفع عينيه:

“أنا كنت طفل وقتها.”

عبد المجيد قال:

“أيوه.”

“وأبويا كان بيكتب لي أنا؟”

“كان شايف فيك حاجة ما شافهاش في حامد.”

علية بصت لزوجها.

لكن مجدي كان لسه بيقرأ.

ثم توقف عند آخر سطر.

وشه اتغير.

علية سألته:

“في إيه؟”

مد لها الورقة.

قرأتها.

وكان مكتوب:

“احذر من الرجل الذي سيأتي بعد موتي مدعيًا أنه صاحب الحق. لا تثق في كلامه، مهما كان معه من أوراق.”

علية رفعت رأسها.

“هو نفسه الرجل اللي جه النهارده؟”

عبد المجيد قال:

“أيوه.”

مجدي وقف.

“مين هو؟”

المحامي قال:

“اسمه كامل السعدني.”

مجدي كرر الاسم:

“كامل السعدني…”

ثم ضرب كفه على جبهته.

“أنا فاكره.”

علية سألته:

“مين ده؟”

قال مجدي:

“رجل كان بييجي لأبويا زمان. كنت صغير، بس فاكر إنه كان كل مرة يدخل معاه الأوضة ويقفل الباب.”

عبد المجيد هز رأسه:

“لأنه كان بيحاول يشتري الأرض.”

سكت لحظة.

“وأبوك رفض.”

علية سألت:

“طب وصالح؟ إيه علاقته بالموضوع؟”

هنا عبد المجيد تغيرت ملامحه.

“دي أخطر نقطة.”

مجدي قرب منه:

“اتكلم.”

قال المحامي:

“صالح هو السبب اللي خلاني أحتفظ بالملف كل السنين دي.”

علية قامت من مكانها.

“ابني؟”

“أيوه.”

“ليه؟”

عبد المجيد أخرج ورقة صغيرة.

“يوم الحريق، قبل ما يحصل بدقائق، كان فيه شخص شاف حامد وهو بيخرج من المكان.”

مجدي قال:

“مين؟”

“طفل.”

“طفل؟”

“ولد صغير كان بيبيع شاي في الشارع.”

علية سألت:

“وقال إيه؟”

“قال إنه شاف رجلًا كبيرًا واقف عند باب المخزن، وبعده بدقائق النار اشتعلت.”

مجدي قال:

“يعني كامل؟”

عبد المجيد هز رأسه:

“الولد ما كانش يعرف اسمه. لكنه وصفه.”

ثم فتح ملفًا قديمًا.

“ولما قابلت الولد بعد سنين، اكتشفت إنه كان يعرف معلومة أخطر.”

علية همست:

“إيه؟”

“قال إن الرجل كان ماسك ورقة، وعلى الورقة اسم طفل.”

مجدي اتوتر:

“اسم مين؟”

عبد المجيد نظر إلى علية.

ثم قال:

“صالح.”

علية شعرت بدوار.

“مستحيل.”

“أنا نفسي قلت مستحيل.”

مجدي اقترب:

“يعني الحريق كان بسبب ابني؟”

عبد المجيد رد:

“مش عشان يقتلوه.”

ثم صمت.

“كانوا عايزين يخطفوه.”

سقطت الكلمات على البيت كالصاعقة.

علية وضعت يدها على فمها.

“يخطفوا صالح؟!”

“أيوه.”

مجدي قال بعصبية:

“ليه؟!”

عبد المجيد أخرج آخر ورقة.

“لأن صالح، من ناحية نسب قديم، له حق في جزء من الأرض محل النزاع.”

مجدي حدق فيه.

“إيه الكلام ده؟”

قال المحامي:

“أم صالح…”

سكت.

علية قالت:

“أم صالح أنا.”

“مش قصدي إنتِ.”

مجدي تجمد.

عبد المجيد نظر إليه.

“أنا بتكلم عن أم صالح في الأوراق.”

مجدي فهم أن هناك شيئًا أخطر.

“مين؟”

عبد المجيد قال:

“أبوك كان متجوز قبل أمك.”

علية شهقت.

مجدي تراجع خطوة.

“إيه؟”

“كان له زوجة أولى.”

“ومين هي؟”

عبد المجيد سكت طويلًا.

ثم قال:

“سعاد.”

علية التفتت ناحية المرأة التي كانت تقف في آخر الحوش.

سعاد كانت تبكي.

مجدي بص لها بصدمة.

“إنتِ؟!”

سعاد هزت رأسها.

“أنا أخت منصور… وأختك.”

سقط الصمت.

مجدي لم يستوعب.

“أختي؟”

سعاد اقتربت منه.

“أيوه يا مجدي.”

ثم قالت:

“وأنا كنت الطفل اللي أبوك أخفاه عن العيلة… مش أنا بس.”

علية همست:

“في طفل تاني؟”

سعاد نظرت إلى صالح.

ثم قالت:

“أيوه.”

“مين؟”

سعاد مسحت دموعها.

“إنت يا صالح.”

الولد كان واقفًا عند باب الغرفة، وقد سمع آخر جملة.

بص للجميع.

“أنا؟”

سعاد اقتربت منه.

“أبوك مش مجرد صاحب الأرض اللي أنت عايش فيها.”

ثم نظرت إلى مجدي.

“وأنت مش مجرد ابنه.”

وأخرجت من حقيبتها شهادة قديمة.

“أنت وريث السر اللي أبوك دفنه قبل ما يموت.”

مجدي أخذ الشهادة.

قرأها.

ثم رفع عينيه بذهول.

لأن الاسم المكتوب في أعلى الورقة كان:

“إقرار نسب وملكية…”

وتحت الاسم مباشرة…

كان اسم صالح.

وفي أسفل الورقة توقيع والد مجدي.

لكن قبل ما حد يقدر يتكلم…

جاء صوت طرق عنيف على الباب.

مرة.

مرتين.

ثلاث مرات.

ثم صوت رجل من الخارج:

“يا مجدي! افتح!”

علية عرفت الصوت.

كان كامل السعدني.

لكن المرة دي، صوته ما كانش فيه تهديد.

كان فيه خوف.

صرخ من خلف الباب:

“افتح يا مجدي! لو الورقة وصلت لك، يبقى لازم تعرف إن في حد تاني داخل اللعبة!”

مجدي بص لعبد المجيد.

عبد المجيد قال:

“ما تفتحش.”

لكن الصوت رجع أقوى:

“أنا مش عدوك يا مجدي!”

ثم سكت لحظة.

وقال:

“عدوك الحقيقي… واقف جوه بيتك من سنين.”

علية بصت ناحية كل الموجودين.

وسألها الخوف قبل عقلها:

“مين؟”

ولأول مرة…

كامل السعدني قال اسمًا من خلف الباب.

اسمًا جعل مجدي نفسه يتراجع خطوة.

وقال:

“الحاجة اللي كانت أمك بتخاف منها طول عمرها…”

ثم نطق الاسم:

“الوصية الأصلية لأبوك.”

وساد الصمت.

لأن عبد المجيد كان قد أخفى الوصية عنهم كل هذه السنين…

ولأن الحقيقة التي ستظهر في الصباح…

ستغيّر كل شيء من جديد.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى