
سيف بص لأحمد، وبعدين بص لمريم، وجري عليها وحضنها وهو بيعيط: «ماما مريم… متسيبيناش!»
أحمد وقف مذهول، مش قادر يسيطر على الموقف.
الأستاذ فاروق طلع الملف البني، وقال بثقة:
«أستاذ أحمد السيوفي… التحاليل المبدئية والوثائق اللي اتسحبت من المستشفى الخارجي ثبتت بالكامل. والنيابة مستنياك الصبح لإعادة الاستجواب في قضايا تزوير عقود، والتأجير غير القانوني، وحجز الحرية، بالإضافة لقضية النصب والاحتتيال على السيدة نورهان عبد الرحمن في ممتلكاتها.»
أحمد بصلي بنظرة كلها كره ورعب في نفس الوقت:
«إنتِ دمرتيني يا نورهان… دمرتي العيلة.»
رديت عليه بثبات:
«إنت اللي دمرت نفسك لما افتكرت إن الفلوس والاسم يقدروا يشتروا بني آدمين، ولما افتكرت إن بنتي ليلى مالهاش قيمة… الدور دا انتهى يا أحمد، والحساب يلا هيتدفع.»
تم إلقاء القبض على أحمد لحين استكمال التحقيقات في حجز الحرية والتزوير، والحاجة ثريا انهارت وسقطت على الأرض مغمى عليها من الصدمة.
أنا أخدت مريم والولاد الثلاثة معايا في العربية عشان نحميهم لغاية ما النيابة تبت في حضانتهم القانونية.
ولما طلعت الشمس، كنت قاعدة في العربية، ليلى نايمة في حضني، وسيف وعمر وآدم ومريم حواليا.
كنت عارفة إن المعركة في المحاكم هتكون طويلة وصعبة… بس لأول مرة من عشر سنين، حسيت إن الهواء اللي بتنفسه نقي.
مشهد الشمس وهي بتطلع على شباك عربيتي كان أول إحساس حقيقي بالحرية، بس كان مجرد الهدوء الذي يسبق العاصفة.
وصلنا الشقة. الولاد الثلاثة، سيف وعمر وآدم، كانوا مصدومين وساكتين، مش فاهمين إزاي في يوم وليلة سابوا القصر الأنيق والألعاب الكتيرة وجوم شقة بسيطة في مكان متوسط، بس وجود مريم جنبهم كان مهدي خوفهم. أما ليلى، فكانت ماسكة في طرف فستاني، بتتحرك معايا في كل حوض وخطوة، كأنها خايفة تصحي وتكتشف إن كل ده كان حلم وأنها لسه في الأوضة الصغيرة تحت السلم.
قعدت مريم والولاد في الصالة، وعملت لهم أكل سريع. سيف، الكبير ذو التسع سنين، مكنش بياكل. كان باصص للأرض، وفجأة رفع عينه وبصلي وقال بصوت مكسور:
«يا ماما… هو بابا هيتسجن؟ وهي تيتة ثريا مش بتحبنا بجد؟»
نزلت لمستواه، حطيت إيدي على كتفه وقعدت قصاده. الحقيقة كانت تقيلة على طفل في سنه، بس الكدب هو اللي وصلنا للهاوية دي.
«سيف يا حبيبي… بابا وتيتة عملوا أخطاء كبيرة أوي في حق ناس كتير، وأولهم إنتوا ومريم. أنا دايماً هفضل جنبكوا وهحميكوا، بس لازم تفهموا إن الحق لازم يرجع لأصحابه، ومريم هي أمكم اللي من حقها تضمكم لقلبها من غير ما تعيش في الخفاء.»
مريم بدأت تبكي بصوت مكتوم، وسيف قرب منها وحضنها، ولأول مرة يشوفها كـ «أم» مش مجرد «الممرضة مريم» اللي بتديه الدوا وتغيرله الملايات لما يتعب.
ساعتها تليفوني رن. كان الأستاذ فاروق المحامي.
«نورهان هانم… المحاضر اتفتحت، وأحمد اتعرض على النيابة صباحًا. بس الوضع بيتعقد بسرعة. محامي عائلة السيوفي، المستشار فتحي الضبع، دخل على الخط. الراجل ده ثعلب، وبيحاول يقلب الطاولة بالكامل.»
اتقبض قلبي: «يقلب الطاولة إزاي يا أستاذ فاروق؟ الأوراق والتحاليل والشهود معانا!»
رد فاروق بجدية وحذر: «فتحوا خط هجوم جديد. بيطالبوا بإسقاط أهليتك النفسية، ومجهزين ملف طبي مزور بيدّعوا فيه إنك بتعاني من مرض نفسي وتخيلات وهلاوس من وقت ولادة ليلى، وأنك إنتِ اللي زرعتي الأوراق دي. والأدهى من كده… أحمد خرج بكفالة مالية ضخمة بضمان محل إقامته وشركاته، لأن التزوير محتاج لجان فحص أصلية للأوراق المستخرجة من الخارج، وده بياخد وقت. هو دلوقتي برا يا نورهان، ومش هيسيبك.»
حسيت ببرودة بتجري في جسمي. أحمد السيوفي مش مجرد راجل غني، ده شبكة نفوذ متغلغلة في السوق والمؤسسات. خرج بكفالة، ومعاه أسطول من المحامين الجاهزين لهرس أي حد يقف في طريقهم.
وقفت في نص الشقة وقلت بثبات: «مش هسمحله يا فاروق. مش بعد كل اللي شفته.»
«اسمعيني كويس يا نورهان…» كمل فاروق: «النيابة حددت جلسة استماع مغلقة ومواجهة شاملة بعد أربعين ساعة من دلوقتي. المواجهة دي هتكون في مكتب رئيس النيابة الكلية. هيحضر فيها أحمد، والحاجة ثريا، ومريم، وإنتِ. ولازم تكون معانا أصول التقرير المالي الخارجي الموثق بالكامل من الخارجية، لأن دي القنبلة الوحيدة اللي هتمنعهم من تحويل القضية لنزاع أحوال شخصية عادي ويقفلوا اللعبة.»
في اللحظة دي، افتكرت حاجة مهمة أوي.
أصول المستندات المالية والتقرير الطبي الصادر من المستشفى السويسري اللي اتعملت فيه عمليات نقل الأرحام والتلاعب بالشركات… مكنتش في الظرف البني!




