منوعات

حكايات رودى خالد1

سحبت الملف وأنا حاسة ببرودة غريبة دخلت في جسمي. فتحت الصفحة المدونة بالخط الصغير، وبدأت أقرأ الكلام القانوني الجاف، ولما وصلت للبند المطلوب، عينيا وسعت ومسكت الورقة بإنفاس مقطوعة:

“في حالة إنجاب أكثر من طفل واحد (توأم أو أكثر)، يلغى الشرط الخفي بالانفصال التلقائي، وتتحول الصفة التعاقدية للطرف الثاني (الزوجة) من ملكية مؤقتة بعقد محدد المدة إلى شريك دائم في إدارة شؤون العائلة المالية، ولا يحق للزوجة طلب الطلاق أو مغادرة المنزل التأصيلي إلا بعد بلوغ أصغر الأبناء سن الرشد القانوني (21 عاماً)، مع نقل ملكية 15% من أسهم شركة الشناوي القابضة باسمها لضمان استقرار الأبناء.”

رفعت رأسي بصدمة وبصيت لكريم:

«إيه ده؟! يعني إيه الكلام ده؟ يعني إيه أستنى 21 سنة؟! إنتوا كاتبين بند يحبسني هنا باقي عمري؟!»

كريم صلب طوله على الكرسي وقال بثقة:

«ده مش حبس يا ليلى. ده حماية لاسم العيلة. عيلة الشناوي ما ينفعش أم أطفالها الأربعة تسيب البيت وتعيش برة أو تتجوز حد تاني وأولادنا متشتتين. العقد ده كتبه جدي الله يرحمه كقاعدة عامة لأي جواز بظروف خاصة زي جوازنا، عشان يضمن إن المصلحة تتلاقى مع الاستقرار.»

قلت بإنكار وصوت عالي:

«بس أنا ما وافقتش على ده! أنا ما قريتش البند ده وقت المضي!»

رد ببرود استفزازي:

«الجهل بالقانون لا يحمي المغفلين… وإنتِ مضيتي على كل صفحة. يعني من النهاردة، إنتِ مش مجرد عروسة بالاتفاق… إنتِ بقيتي شريكة في الشركة، وأم لأربعة من ورثة الشناوي، وموجودة هنا للـ 21 سنة الجايين على الأقل.»

دمي حط في عروقي. طلعت من المكتب وأنا مش شايفه قدامي من الغضب. دخلت أوضتي وقفت الباب بالمفتاح، وفضلت أروح وأجي. أنا اليتيمة اللي كنت فاكرة إن طوق النجاة جالي عشان أعيش مستورة ومعايا قرشين يحموني من الزمن، لقيت نفسي محبوسة في قفص دهب، ومربوطة بعيلة كاملة وبأربعة أطفال لسه ما خرجوش للدنيا!

عدت الأيام، والحياة في القصر تحولت لمعركة باردة بيني وبين كريم، وفي نفس الوقت تدليل غير مسبوق من سعاد.

سعاد بقت تتعامل معايا كأني تحفة أثرية معقولة من ألماظ. المشروبات بقت تتغير كل يوم، والدكاترة بقوا ييجوا القصر زي الزوار العاديين. دكتور تغذية، دكتور متابعة حمل، وحتى أخصائي نفسي عشان “صحة الحامل النفسية”!

وفي يوم، وأنا قاعدة في الجنينة بشرب عصير، كريم جه وقعد قصادي. كان لابس قميص أبيض وشكله مجهد من شغل الشركة.

بصلي وقال بصوت هادي غير عادته:

«ليلى… إحنا لازم نتكلم كإثنين بالغين.»

قلت له وأنا بقلب في موبايلي ببرود:

«خير يا أستاذ كريم؟ في بند جديد في العقد اكتشفته ولا حاجة؟»

تنهد وقعد يفرك إيديه:

«أنا عارف إن طريقة العقد وتفاصيله ضايقتك. وأنا بصراحة ماكنتش متوقع إن الموضوع يوصل لأربعة أجنة… أنا كنت فاكرها جوازة صورية تنتهي بخسران أقل الأضرار وأمي تطمن. بس الواقع تغير دلوقتي.»

بصيت له وقلت بتحدي:

«والواقع ده يفرق معاك في إيه؟ إنت أخدت اللي عايزه، أمك طمنت إن جيل جديد هيشيل الاسم، وإنت ضمنت إن عيلتك مش هتنقرض.»

كريم قرب جسمه شوية وسألني بسؤال غير متوقع:

«وإنتِ يا ليلى؟ إنتِ عايزة إيه؟ بعيدًا عن الفلوس والعقد.»

 

السؤال فاجأني. سكت شوية. أنا عمري ما حد سألني أنا عايزة إيه. طول عمري في الدار وبعد ما خرجت منها، كنت بفكر إزاي أعدي اليوم، إزاي أدفع الإيجار، إزاي أكون أمان لنفسي.

رديت بعد لحظة صمت:

«كنت عايزة أمان يا كريم. أمان حقيقي مش مشروط بورقة ولا بعيلة ولا بأطفال. كنت فاكرة الفلوس هتديني الأمان ده بس اكتشفت إن القفص الدهب بيخنق زي القفص الحديد بالضبط.»

كريم بصل بتمعن، ولأول مرة أشوف في عينيه نظرة تعاطف صادقة. قال بنبرة دافية:

«لو الأمان هو اللي يديكي راحة البال… أوعدك إن الأربعة دول مش هيكونوا سجن ليكي، وأنا مش هكون السجان. العقد موجود عشان حماية حقوقك وحقوقهم، والأسهم اللي بقت باسمك كفيلة تخليكي من أغنى سيدات الأعمال في البلد.»

قبل ما ألحق أرد عليه، تليفونه رن. بص على الشاشة ووشه اتغير تمامًا. هدوءه اتمسح بلمحة، وقام وقف بسرعة.

«أيوه يا هاني… إيه؟! إزاي ده يحصل في فرع الإسكندرية دلوقتي؟!»

مشى كريم وهو بيكلم في التليفون وخطواته سريعة ومضطربة. حست إن في مصيبة حصلت في الشغل.

بعد ساعتين، القصر اتسحب منه الهدوء تمامًا. سعاد كانت قاعدة في الصالة ماسكة التليفون وتصرخ في المحامي بتاع العيلة:

«يعني إيه الأسهم اتقفدت؟! يعني إيه عمهم طاهر رفع قضية حجر وحراسة على الشركات؟!»

نزلت بسرعة من أوضتي وأنا مسكة بطني اللي بدأت تبان فيها بروز خفيف:

«في إيه يا ماما؟ إيه اللي بيحصل؟»

سعاد بصتلي وعينيها مليانة دموع ورعب:

«طاهر… عم كريم! أول ما عرف إنك حامل في أربعة، وعرف إن الأسهم هتتنقل ليكي وللأولاد، اتجنن! طاهر كان طمعان ياخد إدارة المجموعة لأن كريم ماكانش عنده خلفة، ولما عرف إن أربعة جايين يقطعوا عليه الطريق، عمل ملعوب في البورصة مع أخصائيين تسريب ورث، ورفع قضية يطالب بوقف العقد بتاعك ويتهم كريم بالتزوير!»

الصدمة كانت كبيرة. الجوازة اللي كنت فاكراها لعبة بسيطة، طلعت جزء من حرب عائلية ضارية على ثروة بالمليارات!

وطاهر ده، زي ما عرفت بعدين، راجل مش سهل، مستعد يعمل أي حاجة عشان يمنع الأربعة دول من إنهم يشوفوا النور أو يورثوا قرش واحد.

في نفس الليلة، كريم رجع البيت وشكله مهدود تمامًا. دخل المكتب، وأنا ما ترددتش… دخلت وراه وقفل الباب.

كان قاعد حاطط راسه بين إيديه.

قربت منه وقلت بتصميم:

«كريم… إحنا في الهوا سوا دلوقتي. الأربعة دول في بطني أنا، وعمك ده بيهددني أنا وأولادي قبل ما يهددك.»

رفع راسه وبصلي بتعب ومفاجأة:

«ليلى… الموضوع خطير. طاهر مش يسكت، وممكن يستغل أي نقطة ضعف في العقد عشان يبطل الجوازة ويلغي نقل الأسهم.»

ابتسمت بسخرية وقعدت قصاده:

«يبقى هو ما يعرفش أنا اتربيت فين ولا طلعت إزاي. أنا بنت الشارع والملجأ يا كريم… الحيل القانونية والألاعيب دي لعبتي لو استخدمت مخي. إنت عندك الفلوس والقانون، وأنا عندي الشراسة اللي تخلينا نكسب الحرب دي.»

كريم بصلي، ولأول مرة أشوف في عينيه نظرة انبهار واحترام حقيقي. مسك إيدي بالراحة وقال:

«شكلك مش مجرد عروسة بالاتفاق يا ليلى… شكلك الشريك اللي كنت مستنيه من زمان.»

ومن اللحظة دي، الجواز الصوري والاتفاق المالي المكتوب على ورق، تحول لمركب واحدة في وسط عاصفة مالية وعائلية… والمفاجآت اللي جاية كانت أكبر من كل تخيلاتي.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى