
سحبت أمي وأبويا ودخلنا في حارة ضيقة جداً بين بيتين قدام، واستخباينا ورا كوم خشب ومخلفات مباني.
كتمت نفس يوسف بإيدي بشويش وهو بيعيط بصوت مكتوم، وشفنا نور عربية حازم معدي من قدام الحارة ببطء.. حازم كان مادد راسه من شباك العربية، وعينيه بتدور في الضلمة زي الصقر اللي يدور على فريسته.
مسكت الفلاشة (USB) اللي في جيب جلابيتي وضغطت عليها بقوة.. الفلاشة دي هي السر، وهي السر اللي اتقتل بسببه طارق، وهي السر اللي حازم مستعد يهد المنطقة كلها عشان يمسحها من الوجود.
أبويا ميل عليّ ووشوشني بصوت واطي جداً وهو بينهج:
* «حازم قافل مخارج المنطقة يا منار.. التليفونات شبكتها مقطوعة، والشرطة مش هتوصل هنا قبل ما يوصلنا.. الفلاشة دي فيها إيه بالظبط يجعل راجل عشانها؟!»
فتحت جيب جلابيتي وطلعت الفلاشة والصورة، وعلى نور شاشة التليفون الضعيف اللي فاضل فيه 5% بطارية، بصيت لظهر الصورة ثاني.. ولفت نظري إن فيه كتابة ثانية بخط صغير جداً تحت جملة طارق، كتابة مكنتش شايفاها في الضلمة الأولى:
“يا منار.. لو القفل اتفتح وحازم وصلك، اعلمي إن سر ثروة حازم كلها ومكان الفلاشة الثانية في…”
وقبل ما ألمس الكلمة الأخير وأقراها، شاشة التليفون طفت تماماً.. البطارية فصلت!
وفجأة.. سمعنا صوت خطوات جزم ثقيلة بتدبس على الأرض، وبتدخل الحارة الضيقة اللي إحنا مستخبيين فيها، وصوت حازم جه من على بعد مترين بس منا:
* «أنا سامع نفسكم يا منار.. اطلعي بالتي هي أحسن، بدل ما أخلي الرجالة تتسلى عليكم واحد واحد!»
#الكاتب__رومانى__مكرم__
انقبض صدري والضلمة حاصرتنا من كل ناحية، وصوت كعب جزمه حازم وهو يقرب على كوم الخشب كان زي دقات طبول الموت. أمي غمضت عينيها وبقت تهمس بالشهادة، وأبويا ضغط على قالب الطوب اللي في إيده واستعد يرمي نفسه عليه، بس أنا مسكت إيد أبويا وجمدت في مكاني..
وفي اللحظة اللي حازم مد فيها إيده عشان يشيل لوح الخشب اللي يدارينا، خرج صوت صويح وفزيع من أول الحارة:
* «الحقوا يا جدعان! الحريقة في دور الرابع في عمارة عم علي! الحريقة بتاكل الشقق!»
الرجالة بتوع حازم اتلبكوا، وواحد منهم نادى عليه بصوت واطي ومذعور:
* «يا حازم بيه! الناس اتلمت في الشارع الرئيسي المطافي والشرطة جايين في الطريق من كتر الدخان.. لو اتكشفنا هنا مش هنخرج!»
حازم تف على الأرض بغل، وسمعنا صوته وهو بيتراجع خطوات لورا وبيقول بسخط:
* «اركبوا بسرعة قبل ما الحارة تتقفل! هنجيبهم.. هيترجوا ويرجعوا الشقة ومش هيعرفوا يخرجوا برا الوراق!»
سمعنا صوت تفحيط عربيتهم وهي بتجري بأقصى سرعة وتختفي في الشارع الرئيسي. نزلنا إيدينا من على أبهاتنا ونفسنا رد لينا بالعافية، بس الأزمة كانت لسة مخلصتش.. الشقة ولعت، والشارع بقى مليان ناس ومطافي، وحازم مرقب مداخل ومخارج الوراق كلها.
أبويا سحبنا من الحارة واتسحبنا في شوارع ضيقة ميعرفهاش غير ابن المنطقة، لحد ما وصلنا لورشة تصليح سيارات قديمة ومقفولة ملك لواحد صاحب أبويا الانتيم. أبويا خبط دقات معينة على الباب الصاج، لحد ما فتح لينا راجل عجوز بجلابية وشعر أبيض، أول ما شفنا بالمنظر ده شهق وخلانا ندخل ونزل الصاج بسرعة.
الراجل جاب لنا مية، وأنا قعدت على كرسي خشب وجسمي كله بيتفاض. يوسف كان نام من كتر التعب والخوف في حضن أمي. طلعت التليفون من جيبي وأنا حاسة بالعجز.. البطارية فاصلة!
قلت لعم صاحب الورشة بصوت متقطع:
* «عمي أحمد.. أرجوك عايزه شاحن تليفون بسرعة، فيه كلمة لازم أقراها في ضوء التليفون هي اللي هتحدد مصيرنا!»
جابلي الشاحن وحطيت التليفون في الفيشة.. أول ما الشاشة نورت بـ 1%، فتحت كشاف الموبايل وسلطته على ظهر الصورة المقوية اللي أخدتها من الشنطة.




