
سامح مسك أمين الشرطة من ياقة ميريه وبدأ يهزه بهستيريا وجنون: “أختي بتموت! جوزها واخدها على الصحراوي وهيقتلها! اطلب رئيس المباحث فوراً! اتصل بيه قولوا يعملوا كمائن على طريق مصر إسكندرية الصحراوي! اطلب النجدة يا بني أدم!!”
الأمين مكدبش خبر، مسك الجهاز اللاسلكي اللي على كتفه وبدأ ينادي بلغة الإشارة والرتب: “حولني على المأمور فوراً! المحضر رقم 4022 شروع في قتل، المتهم طارق عبد الجواد واخد المجني عليها هبة عبد الرحمن في عربية سودا ومتحرك بيها على طريق مصر إسكندرية الصحراوي! كرر النشرة فوراً وعمم على كل كمائن الطريق الصحراوي والمرور المركزي!”
أنا مكنتش قادرة أقف على رجلي، الدموع كانت نازلة على خدي بلهب. رغم كل الخيانة، ورغم إن هبة كانت السبب في إننا نتربط في المطبخ والغاز كان هيخنقنا ونموت في نص الليل، ورغم إنها استغفلتني 8 سنين كاملين وحطت سرير بنتي مخزن لمصايبها.. بس في النهاية دي روح، والدم عمره ما يبقى مية، وسامح كان هيموت من الخبر وممكن يجراله حاجة في قلبه أو دماغه المفتوحة.
“أنا رايح وراهم!” سامح صرخ ونزل بيجري ناحية بوابة المستشفى.
“سامح لأ! استنى يا سامح أنت مجنون؟! أنت مخروم في رأسك وسايح في دمك!” جريت وراه وأنا ماسكة نور في إيدي، والناس في المستشفى يبصوا علينا باستغراب ورعب.
“مش هسيبها تتقتل يا صباح! لو ماتت على إيده مش هسامح نفسي طول عمري إنها سابت بيتي وراحت للموت!” سامح كان بيصرخ في الشارع وهو بيكسح بعربيات التاكسي الواقفة قدام المستشفى.
وقف تاكسي بالعافية، زق الباب وركب في الكرسي القدامي، وأنا مكنتش هسيبه يروح لوحده وهو في الحالة دي، أخدت نور وركبت في الكرسي الورااني بسرعة وأنا بقول للسواق: “اطلع على طريق إسكندرية الصحراوي بسرعة يا كابتن! في نجدة وشرطة ورانا!”
السواق بص لرباط رأس سامح والدم اللي على هدومه، ولشكلنا المرعوب، وداس بنزين وأخد الطريق بسرعة جنونية.
الطريق الصحراوي في الوقت ده، مع بداية شروق الشمس، كان ماليان تريلات وشاحنات ضخمة والشبورة البيضا مغطية زجاج العربية. سامح كان ماسك التليفون وبيدق على نمرة هبة كل ثانية، وكل مرة يجيله الصوت الآلي المرعب: “الهاتف الذي طلبته قد يكون مغلقاً أو خارج نطاق الخدمة.”
“ردي يا هبة.. ردي يا غبية!” سامح كان بيخبط رأسه في تابلوه العربية وبيعيط بصوت يكسر الحجر.
أنا كنت قاعدة ورا، ضامة نور لصدري، وباصص للأرضية وبدعاء ربنا إن الكابوس ده ينتهي. نور كانت ساكتة خالص، الصدمة خلت الطفلة مابتنطقش، عينين نور الصغيرين كانوا باصين للشارع وكأنها كبرت 10 سنين في ليلة واحدة.
وبعد ما مشينا على الطريق الصحراوي حوالي نص ساعة، وتعدينا كارتة الرسوم.. بدأنا نشوف النور الأحمر والأزرق بتاع عربيات النجدة ومرور الطريق السريع!
سراين الشرطة كانت بتزعق في الهوا، وتريلات واقفة على جنب، وفي تجمع كبير من عربيات المرور والنجدة مقفول بيه حارتين من الطريق!
“اقف هنا يا كابتن!” سامح صرخ في السواق ونط من التاكسي قبل ما العربية تقف تماماً!
أنا نزلت أجدري وراه والنفس مقطوع، وأنا شايلة نور بين إيديا. سامح اندفع ناحية التجمع وهو بيصرخ: “هبة! هبة!”
أفراد النجدة والشرطة حاولوا يمنعوه ويمسكوه: “ممنوع يا فندم! ده موقع حادثة متقفل! وخرابيش ومسرح جريمة!”
“دي أختي! أختي كانت في العربية السودا!” سامح صرخ في رئيس المباحث اللي كان واقف ينظم القوة.
الظابط أول ما شاف سامح وشاف الرباط اللي على رأسه، عرفه فوراً: “أنت سامح عبد الرحمن؟ صاحب شقة العمرانية؟”
“أيوة أنا يا باشا! فين هبة؟! فين طارق؟!” سامح سأل وهو جسمه كله بيترعش.
الظابط ملامحه اتقبضت، وأخد نفس طويل وشاور بإيده ناحية المنحدر الترابي اللي على يمين الطريق الصحراوي: “تعال معايا..”
نزلا ورا الظابط في المنحدر الترابي، واللي شفنا تحت خلاني حطيت إيدي على بؤي وصرخت بكل ما فيا من غل ورعب!
العربية السودا الفارهة بتاعة طارق كانت منقلبة على سقفها، ومفعوصة كأنها علبة كنز مكسورة! الصاج كله كان متطبق، والأزاز متكسر ومغرق الرملة، وآثار فرامل عريضة وسودا على الأسفلت بتقول إن العربية كانت ماشية بسرعة تجاوزت 180 كيلو في الساعة وانحرفت فجأة عن الطريق!
رجال الإسعاف والمطافئ كانوا بيحاولوا يقطعوا صاج العربية بالآلات الهيدروليكية عشان يطلعوا الجثث والناس اللي جوة.
سامح اترمى على الرملة وجري ناحية العربية وهو بيصرخ: “هبة! هبة!”
مسكوه رجال الإسعاف بالعافية: “اهدى يا أستاذ! اهدى عشان نعرف نشتغل!”
بعد خمس دقايق من التقطيع في الصاج، طلعت جثة طارق.. طارق كان ميت فوراً، دماغه متكسرة من خبطة السقف، وفي إيده كانت لسة الشنطة السودا الصغير اللي فيها الهاردات والفلوس، متمسك بيها حتى وهو بيموت!
أما هبة..
رجال الإسعاف طلعوها من الناحية التانية، جسمها كان ماليان جروح وكدمات، ودمها مغرق وشها، بس كانت لسة بتتنفس بصعوبة شديدة وخفيفة جداً!
سامح اترمى على الأرض جنب النقالة اللي شالوها عليها، ومسك إيدها وهي بتترعش: “هبة! هبة رد عليا يا هبة! أنا سامح أخوكي!”
هبة فتحت عين واحدة بالعافية، عينيها كانت ماليانة دموع ودم، وبصت لسامح بنظرة مكسورة مفيهاش غير الندم والعذاب.. شفايفها كانت بترتعش، وحاولت تتكلم بصوت عام زي الفحيح الخافت: “سامح.. سامح سامحني.. أنا.. أنا كنت فاكرة إن الفلوس هتنجينا.. طارق كان.. كان عايز يرميني من العربية وهي ماشية لما سمع سرينات النجدة.. فمسكت في دركسيون العربية ونزلت بيه في المنحدر…”
سامح بكى بحرقة ومسك رأسها وباسها: “ليه يا هبة؟ ليه عملتي فينا وفي نفسك كده؟!”
هبة وجهت عينها الضعيفة ناحيتي أنا ونور اللي كنا واقفين ورا سامح، ودمعة طويلة نزلت على خدها المليان جروح، وقالت بهمس بصعوبة: “صباح.. المفارش.. المفارش مكنتش قديمة.. أنا.. أنا اللي كنت حقيرة ومريضة بالخوف والحيانة.. سامحيني يا صباح.. احمي نور…”
وقبل ما تفضل تكمل الكلمة.. عينها اتقفلت، والأجهزة اللي ركبوها رجال الإسعاف عليها طلعت صفارة طويلة ومستمرة!
“المريضة دخلت في سكتة قلبية وتوقف في التنفس! ارفع الصدمات الكهربائية بسرعة!” الدكتور بتوع الإسعاف صرخ وهو بيحاول يعمل لها إنعاش قلبي في مكان الحادثة.
سامح انهار على الأرض تماماً، وكان بيضرب برأسه في التراب وبيصرخ بصوت هز الصحرا كلها: “ياااااارب! ليه كدة يا هبة؟! ليه كدة يا أختي؟!”
أنا وقفت مكان مذهولة، ضامة نور لصدري، وباصة لجثة طارق المغطاة بملاية بيضا، ولهبة اللي بيحاولوا ينعشوا قلبها في نص الطريق الصحراوي، والشرطة والأدلة الجنائية بيلفوا حولين العربية وبياخدوا الشنطة والهاردات اللي كانت السبب في تحطيم عيلة كاملة.
الظابط قرب مني ومن سامح وقال بصوت صارم: “الهاردات والأوراق دي هتتحفظ عليها النيابة العامة.. الحادثة دي وراها شبكة كبيرة جداً وهتتفتح فيها قضايا كبرى في البلد، وأنتم لازم تيجوا معانا المجمع فوراً للإدلاء بأقوالكم بالكامل أمام وكيل النيابة.”
أنا بصيت لسامح اللي كان منهار، وبصيت لنور اللي كانت ماسكة في دراعي، وعرفت إن القصة مش بس حادثة وماتت فيها هبة وطارق..
اللي جاي كان ألعن وأشد.. لأن العصابة والشركاء الكبار اللي طارق كان خايف منهم وهبة كانت بتخبي أسرارهم جوة بيتي وسرير بنتي.. عرفوا إن الهاردات والأوراق بقت في إيد النيابة والشرطة، وعرفوا إن صباح وسامح هما الشود الوحيدين اللي فاضلين على قيد الحياة!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




