روايات وقصص

حكايات زهره الربيع 2

أخويا جرى على الباب زي المجنون، بس قبل ما يفتح، بص من خرم الباب. وشّه اتغير تماماً، الدم هرب منه وبقى أبيض زي الملاية. لف لينا بصوت واطي ومبحوح وهو بيهمس برعب: “دول ولاد عمها وأخوها الكبير.. جايين بسلاسل وسكاكين! عرفوا إنها اتطلقت، وجايين ياخدوا العلبة أو يخلصوا مني قبل ما السر يتكشف للبلد كلها!”.

أمي مسكت فيه وهي بتصرخ وتعيط: “يا لهوي يا بني! بلاش تفتح، هيقتلوك! اتصل بالشرطة يا بني حمايتك!”.

أخويا زق إيد أمي بالراحة وهو بيبص للعلبة الصفرا اللي مرمية على الترابيزة، وقال بنبرة مكسورة وميتة: “شرطة إيه يا أمي؟ لو الشرطة جت وقرت الورقة اللي جوه العلبة، فرحة هي اللي هتترمى في السجن طول عمرها، وأهلها هيقتلوها جوه السجن أو بره! أنا السبب.. أنا اللي تسرعت وطلقتها من غير ما أسمعها!”.

في اللحظة دي، أنا حسيت إن السقف بيقع عليا. ناري الغبية، وحقدي، وغيرتي منها عشان هي عايشة في عز وأنا اتطلقت واتبذلت، كل ده هو اللي وصل أخويا للموقف ده! أنا اللي سرقت العلبة، وأنا اللي فتحت أبواب جهنم دي عليهم كلهم!

الخبط على الباب زاد، وسمعنا صوت أخوها الكبير بيزعق من بره: “افتح يا جاد! افتح يا خائن يا اللي هربت أختنا زمان وجاي النهارده ترميها وتفضحنا! افتح بدال ما نحرق العمارة بلي فيها!”.

أخويا جرى على الأوضة، جاب سكينة كبيرة من المطبخ، ومسك العلبة الصفرا في إيده التانية، وبص لأمي وقالي بصوت يقطع القلب: “لو حصلي حاجة.. أدعولي. وأنتِ يا أختي.. خلي بالك من أمك”.

فتح القفل بسرعة، ورزع الباب للداخل!

أول ما الباب اتفتح، دخلوا ثلاثة رجال زي الثيران الهايجة، أجسادهم ضخمة وفي إيديهم شوم وسكاكين. أخوها الكبير مسك أخويا من زقمته ورفعه لفوق وهو بيصرخ: “فين الورقة يا جاد؟! فين العلبة اللي كتبت فيها التنازل عن دم أختنا زمان؟! أختك جت لنا وركعت تحت رجلينا بتقول إنك طردتها وطلقتها بس ما خدتش العلبة معاها! وين العلبة؟!”.

أخويا ما كانش بيدافع عن نفسه، ما رفعش السكينة في وشهم، كان سايبهم يضربوه ويهينوه، وبص لأخوها الكبير بعيون مليانة دموع وقال: “فرحة مظلومة يا حاج.. فرحة ما خانتش السر، ولا هي اللي فتحت الخزنة وأخدت العلبة!”.

الراجل اتجمد مكانه، وبص لأخويا بذهول: “أومال العلبة خرجت من خزنتك إزاي وجت في دولابك يا ابن الناظر؟! مين اللي جابها هنا؟!”.

في اللحظة دي، أخويا لف رأسه وبصلي.. بصلة كانت أتقل عليا من جبل أحد. كانت بصلة فيها خيبة أمل، وكسرة، وفهم! أخويا عرف.. عرف إن الحد الوحيد اللي بيدخل شقته، وبيفتش في حاجته، وبيكره مراته ومغيمة عينيه الغيرة.. هو أنا!

الرجال كلهم لَفّوا وبصوا عليا وأنا واقفة ورا أمي برتعش، الدموع نازلة من عيني وزوري جاف مش قادرة أطلع كلمة.

أخوها الكبير قرب مني بخطوات ثقيلة، ورفع السكينة في وشي وهو بيصرخ بصوت يهز العمارة: “أنتِ؟! أنتِ اللي سرقتي العلبة من الخزنة ورميتيها في دولابهم عشان تخربي بيت أخوكي؟!”.

أمي اترميت تحت رجلين الراجل وهي بتعيط وتترجاه: “وحياة ولادك سيبها! دي عبيطة ومُطلقة ومقهورة، ما تعرفش حاجة! ما تعرفش اللي جوه العلبة!”.

الراجل زق أمي برجله، ومسكني من شعري بقوة خلّت صرختي تسمع الشارع كله، وحط السكينة على رقبتي وهو بيبص لأخويا ويقول بغير رحمة: “طالما السر ده لمسته إيد برانية.. يبقى السر مات، واللي نكشه لازم يموت معاه! يا تقتل أختك بإيدك يا جاد قدامنا عشان نغسل عارنا، يا نقتلك أنت وهي ونحرق البيت ده باللي فيه!”.

سكين أخوها كان حامي وزي التلج على رقبتي، وريحة الموت مالت المكان. كنت سامعة صوت نَبض قلبي جوه وداني، وعيني جاية في عين أخويا “جاد”.. العين اللي كانت دايماً بتتسرق عشان ترحمني، بقت دلوقتي ميتة، ما فيهاش أي رجاء.

أمي كانت ساجدة على الأرض عند رجلين أخوها الكبير، تبوس جزمته وبتنحب بصوت مكتوم: “الرحمة يا حاج.. البت هتضيع، بيتي بيتخرب يا ناس!”.

أخوها زقها بقسوة، وشد شعري ورا أكتر لحد ما حسيت إن فروة رأسي بتتقطع، وزعق بصوت يزلزل الشباك: “أنطقي يا فاجرة! أخدتي العلبة ليه؟! مين قايلك على مكان الخزنة في الورشة؟! اتفقتي مع مين عشان تفضحينا وتكسري رقبة أختنا؟!”.

لساني كان مربوط، مش قادرة أقولهم إني عملت كدة لمجرد الغيرة.. لمجرد إني كنت مستكثرة عليها الحب والراحة اللي أنا اتحرمت منهم! إزاي أقولهم إني هديت بيت أخويا عشان نفسي تقر وتهدأ؟!

وفجأة.. جاد خطى خطوة لقدام، ورفع السكينة اللي في إيده، بس ما وجههاش لأخو فرحة.. وجهها لرقبة نفسه!

جاد قال بصوت هادي يرعب، صوت واحد خلاص مابقاش باقي على أي حاجة في الدنيا: “سيب أختي يا عمران.. أختي غبية وجاهلة وما تعرفش حاجة عن السر ولا قريت الورقة، هي فاكرة العلبة فيها دهب.. العلبة أنا اللي سيبت مفتاحها في بيتنا، وأنا اللي أهملت في الأمانة”.

عمران (أخوها الكبير) بصل لجاد بشك، ورخى إيده من على شعري شوية، وقال بغل: “والعمل يا ابن الناظر؟ السر اتعرف، وأختنا ورقتها اتجمعت عندنا بالطلاق، والبلد لو عرفت إن العلبة دي خرجت من مكانها، الدم هيوصل للركب بين العيلتين!”.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى