
جاد بص للعلبة الصفرا اللي كانت مرمية على الأرض، وقال بنبرة مكسورة: “أنا هرد فرحة.. هردها بعقد جديد ومهر جديد قدام البلد كلها، والورقة والفلاشة يتحرقوا حالا قدام عينك! ولو فرحة اشتكت مني في يوم، أو السر ده طلع لسان حد.. رقبتي تكون سد قصادكم”.
عمران بص لولاد عمه، وشاورلهم بإيده.. واحد منهم جاب ولاعة من جيبه، وجاد وطى مسك الورقة المطوية اللي فيها بصمة الدم والفلاشة، وولع فيهم قدام عينيهم جميعاً.
النار كانت بتاكل الورقة، وأنا شايفة عمري وبيتي وأخويا بيتحرقوا معاها.. بس عمران ما اكتفاش بكده!
بعد ما الورقة بقت رماد، عمران بص لجاد وقال بصوت زي السم: “الورقة اتحرقت.. بس الشرف ما بيمحيوش الرماد يا جاد. أختنا ترجعلك ماشي، بس الحية اللي سرقت العلبة وكانت عايزة تخرب البيت — وقصد عليا أنا — ما تقعدش في البيت ده ساعة واحدة! يا تطلع من العمارة دي وماتعتبهاش طول ما أختنا عايشة معاك، يا والله ما طالعين من هنا إلا وهي جوة كفنها!”.
أمي صرخت وقامت حضنتني: “لا يا بني! دي ملهاش غيرنا، جوزها طردها ومطرقها مالهاش حتة تروحها!”.
بس جاد.. جاد ما بصلنيش حتى. رمى السكينة من إيده على الأرض، وبص للناحية التانية وقال بصوت ناشف خالي من أي رحمة: “تلم هدومها وتغور.. مش عايز أشوف وشها في العمارة دي تاني، ولا تدخل بيت فرحة طول ما أنا حي”.
في أقل من ساعة، كنت لميت شنطتي الصغيرة.. أمي كانت بتعيط في الصالة ومش قادرة تتكلم قصاد جاد اللي كان واقف زي الصنم عند الباب، مستني لحظة خروجي.
نزلت السلم لوحدي في الضلمة والبرد بياكل في جسمي، والشنطة في إيدي تقيلة زي الخطية اللي شايلاها. خرجت للشارع فاضي، ومفيش صرخة ولا عياط يقدر يطفي النار اللي جويا.
مشيت في الشارع ومش عارفة أنا رايحة فين.. لحد ما تليفوني رن برقم غريب!
فتحت الخط، وسمعت صوت هادي جداً، صوت ناعم وبطئ طالع من وسط سكون الليل.. صوت “فرحة”!
قالتلي بنبرة مافيهاش أي غضب، بس كانت أبرد من التلج وأقسى من الموت: “طلعتي من البيت خلاص؟.. كنت عارفة إن العلبة الصفرا هي الحاجة الوحيدة اللي هتخليكي تطلعي من حياتنا للابد.. شكراً يا أخت زوجي.. أنتِ عملتيلي اللي ما كنتش قادرة أعمله بنفسي!”.
وقفت في وسط الشارع والخط قطع.. تليفوني وقع من إيدي على الأسفلت المكسور، وصوت “فرحة” كان بيلف في دماغي زي صدى صريح في مغارة فاضية!
“أنتِ عملتيلي اللي ما كنتش قادرة أعمله بنفسي!”
الكلمة دي نزل عليا زي الصاعقة.. حسيت إن الدنيا دارت بيا، وكل الصورة اللي كنت شايفاها اتقلبت في ثانية! فرحة.. فرحة الطيبة الهادية، اللي ماشية جنب الحيط، اللي عمرها ما ردت عليا بكلمة ولا اشتكت من أذيتي.. ما كانتش الضحية!
فرحة كانت أذكى مني بكتير، وكانت فاهمة غلي وغيرتي أكتر ما أنا فاهمة نفسي! هي اللي سابت مفتاح الخزنة متغفّل في جيب جيلكيت جاد يوم ما جه عندنا.. هي اللي لمحتني وأنا برقبها وعارفة إن عيني على أي حاجة يملكها أخويا.. هي اللي سابتني أسرق العلبة، وفتحتلي الطريق للدولاب، وسابتني ألعب دور البيدق في لعبتها الشيطانية!
هي ما كانتش قادرة تطلب الطلاق، ولا كانت قادرة تخسر حمايته أو تطلع قدام أهلها خاينة للعهد.. فاستغلت غبائي وناري! خلّتني أنا الأداة اللي تكسر بيها السجن الدهبي اللي جاد حابسها فيه باسم الحب، وخلتني أنا الثمن اللي يندفع عشان تطلع هي البريئة المظلومة قدام الدنيا كلها، وأتطرد أنا الطردة المذلة دي!
قعدت على الرصيف في ضلمة الليل، حاضنة شنطتي الصغيرة وببكي.. بس المرادي ما كنتش ببكي على طردتي، ولا على المأوى اللي ضاع مني.. كنت ببكي على أخويا جاد.
جاد اللي كان فاكر إن فرحة شايلاه في قلبها زي ما هو شايلها على كفوف الراحة.. جاد اللي حرق عمره وشرفه عشان يحميها، ودلوقتي راجع يترجاها ويردها بعقد جديد ومهر جديد وهو مكسور، فاكر إنه بيكفّر عن ذنب هو ما عملوش، ومش عارف إنه راجع لست حيوة رتبت كل حاجة عشان تذله وتخلص من عيلته قطعة قطعة!
ما قدرتش أرجع العمارة.. ولا كان ينفع أروح لأمي أقولها إننا اتغفلنا، وأن البت اللي كنا بنقول عليها مسكينة لعبت بينا كلنا وحولتنا لعرائس ماريونيت في إيدها.
أنا هديت بيت أخويا؟ لا.. أنا عملت أصعب من كده.. أنا فتحت الباب للست اللي هدّت روح أخويا وقسمت ظهره، وسيبته عايش مع الأفعى اللي نهشته وهو فاكر إنه بيحميه.
مشيت في الشارع الضلمة وأنا شايلة ذنبي فوق كتفي، عارفة إن الحياة مش هترجع زي الأول أبداً.. وإن الحقد اللي عمى عيني، ما حرقش غيري أنا، ودان فرحة بالنصر الأخير، وترك جاد يدفع التمن طول عمره.. وهو مش عارف إن اللي دمره مش العلبة الصفرا.. اللي دمره كان الحب الأعمى!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




