
دخلت الست سنية الصالة ورا ابنها أشرف وهي بتسحب في عبايتها السودة، عينها كانت بتلف في الصالة من السقف للأرض، تتفحص النيش، والسفورة، والستاير، كأنها داخلة مزاد علني مش داخلة بيت ناس فيه أزمة. وقفت في نص الصالة، وحطت إيدها على وسطها وعلّت صوتها بطريقتها اللي متعودة تفرض بيها السيطرة:
— جرى إيه يا حاج رجب؟ من امتى وبنات الناس بتتهان في البيوت وتتحبس وتتقفل عليها البيبان كأنها عملت عملة؟ إحنا سايبين بنتنا عندكم أمانة معززة مكرمة، مش عشان تسمعوها كلمتين ملهومش لازمة وتتصل بيا الصبح بدري تصرخ وتستغيث!
أبويا الحاج رجب مشالش عينه من على أشرف، ولا حتى التفت ناحية سنية بالسرعة اللي هي كانت مستنياها. شاور بإيده على الكنبة الكبيرة اللي قصاده:
— اقعدي يا ست سنية. اقعد يا أشرف. الأصول بتقول إن الضيف لما يدخل بيت يقعد الأول ويسمع، وبعدين يتكلم باللي يرضي ربنا، ده لو كان في نية أصلاً للكلام اللي يرضي ربنا.
أشرف كان باين عليه التوتر رغم محاولته إنه يبان تقيل وواثق من نفسه. عينه كانت متبتة في أخته ولاء، اللي كانت واقفة بعيد ضامة كتافها ومغمضة عينيها، ملامحها بتقول إن كل الحيل اتقفشت ومفيش مجال للتمثيل. أشرف سحب نفس، وقعد على حرف الكنبة وهو بيهز رجله بعصبية، وفتح أول زرارين من قميصه:
— خير يا حاج رجب؟ إيه حكاية المعرض والتوكيلات اللي بترمي بيها كلام دي؟ أنا راجل فتحت مصلحة بعرق جبيني وشقايا، ومسمحش لحد يرمي عليا كلام في الرايحة والجاية!
أخويا إسلام ضحك ضحكة قصيرة، ضحكة كلها مرار وقهر، وقرب من أشرف خطوتين وهو باصصله باحتقار صريح:
— عرق جبينك؟! شقاك إنت برضه يا أشرف؟ إنت من امتى كان عندك عرق ولا شقى يا بتاع القهاوي؟ ده إنت بقالك تلات سنين قاعد على قهوة المعلم فوزي مبتحطش في جيبك تمن كوباية الشاي، تفتح معرض موتوسيكلات منين ومنين جالك راس المال في تلات شهور؟!
سنية اتنفضت من مكانها وشهقت:
— جرى إيه يا إسلام؟! إنت هتعمل على ابني راجل؟! ما تتكلم بأدب مع الراجل اللي فاتحلك بيتك ومستحمل بنته معاك على الحلوة والمرة! ولا إنتوا عشان ربنا موسعها عليكم بالبيتين اللي حيلتكم جايين تدوسوا على الغلابة وتتهموهم بالباطل؟!
أمي الحاجة ماجدة مسكت دراعي جامد، حسيت بصوابعها بترتعش وهي بتضغط عليا، صوتها كان طالع بالعافية ومبحوح من كتر الزعل:
— باطل إيه يا سنية؟ إحنا عمرنا ما دوسنا على حد، ولا عمرنا بصينا للناس بنظرة فوقية. إحنا فاتحين بيتنا لولاء من سنين، عشناها في خيرنا، وسترناها مع ابننا، وعيالها في عنينا… تقوم بنتك تمد إيدها في الضلمة وتسرق شقى راجلي وشقى ابنها عشان تفتح لابنك معرض؟! دي الأصول اللي ربيتي بنتك عليها؟!
سنية بصت لبنتها ولاء بنظرة حادة مفيهاش أي مفاجأة، وكأنها كانت عارفة الحكاية من أولها لآخرها ومش متفاجئة بأي كلمة من اللي بتتقال. ولاء بصت في الأرض وعضت على شفتها، وسنية استجمعت كل بجاحتها وردت ببرود:
وفيها إيه يعني لما الأخت تقف جنب أخوها في زنقة؟! ما هو إسلام وأشرف واحد، والمعرض لما يشتغل خيره كان هيقعد على مين؟ مش على إسلام وولاء وعيالهم؟! هي جر\يمة لما الست تدبر لبيتها ولأخوها قرشين من الفلوس اللي جوزها كده كده مش عارف يتصرف فيها ولا عارف يشغلها؟!
أحمد أخويا متمالكش أعصابه، خبط على التربيزة برجله وزعق:
— تدبر من الفلوس اللي مش عارف يتصرف فيها؟! دي سرقة! ده تزوير في أوراق رسمية! دي داخلة البنك ببطاقة جوزها ومغيرة بيانات الحساب من ورا ضهره! إنتوا فاهمين يعني إيه الكلام ده في القانون؟! دي جناية تودي في داهية وتلبس بنتك وابنك البدلة الزرقا!
أشرف وشه احتقن بالدم، ووقف على حيله ورفع صباعه في وش أحمد:
— وطي صوتك يا أحمد وأنت بتكلم أمي! إحنا مبنتهددش بالقانون، وأعلى ما في خيلكم اركبوه! الفلوس دي كانت سلفة، سلفة بيني وبين أختي وبيني وبين جوزها، ومعايا شهود على كده، والفلوس هترجع أول ما المعرض يقف على حيله، ومحدش ليه مليم واحد عندنا هيضيع!
أبويا الحاج رجب مد إيده بهدوء غريب، ومسك الدوسيه البني، وطلع منه ورقة رابعة مكنش حد شافها قبل كده. حطها قدام أشرف على الترابيزة وداس عليها بصابعه السبابة:
— سلفة؟… طب اقرأ دي كده يا أشرف، وقولي إيه رأيك في السلفة دي؟
أشرف عينه وقعت على الورقة، واتجمد مكانه. الورقة مكنتش كشف حساب بنك… الورقة كانت صورة من عقد إيجار المعرض وسجل تجاري متوثق، ومكتوب فيه بند صريح إن الشريك الممول للمعرض مش أشرف، ولا إسلام… الشريك الممول كان اسم غريب خالص: “مدحت عبد العال”، واحد من أكبر تجار الخردة وقطع الغيار المشبوهة في شبين القناطر.
أبويا بص لـ أشرف وابتسامته وسعت بنبرة مرعبة:
— إنت فاكر نفسك شاطر يا واد؟ فاكر إنك لما تاخد المية وعشرين ألف من حساب إسلام، وتروح تدفعهم عربون لمدحت عبد العال عشان يدخلك شريك في الورشة والمعرض، إن مدحت مش هيبيعك عند أول قرش؟ مدحت جالي هنا الورشة من أسبوع، أول ما عرف إني بسأل ورا الفلوس، وجابلي صورة العقد وصورة الوصلات اللي إنت ماضي عليها باسمك وباسم أختك كضامنة ليك!
ولاء صرخت صرخة مكتومة وحطت إيدها على وشها:
— أشرف! إنت مضيتني على وصلات أمانة لمدحت؟! إنت قلتلي دي أوراق تسجيل في الغرفة التجارية!
الصالة كلها اتقلبت، الحكاية طلعت أوسخ وأعقد بكتير من مجرد سرقة فلوس عائلية. الحكاية كانت شبكة من النصب والطمع، والكل كان بياكل في الكل.
أشرف اتلجم، وبقى بيبلع ريقه وصوته راح، وبص لأمه سنية اللي وشها اتقلب وبقت بتبص لابنها برعب حقيقي:
— وصلات أمانة يا أشرف؟! مضيت أختك على وصلات لمدحت بتاع الخردة؟! ده راجل ملوش أمان ويحبس في قرش صاغ!
إسلام قرب من أشرف لحد ما وشه بقى في وش أشرف، وصوته نزل لدرجة الفحيح:
— ضامنة… يعني لو المعرض فلس، أو مدحت قرر يبلعك، مراتي أنا، أم عيالي، هي اللي هتتسحب على القسم وتترمي في الحجز عشان تسددلك ديونك؟! وإنتي يا هانم… — وبص لولاء وهو بيجز على سنانه — كنتي عامي نفسك الطمع لدرجة إنك تمضي على خراب بيتك وخراب عيالك بإيدك وانتي فاكرة نفسك ناصحة؟!
ولاء وقعت على الأرض ودموعها نزلت بجد المرة دي، دموع الرعب من المصيبة اللي لبستها من وسع:
— والله ما كنت أعرف يا إسلام! أشرف قالي الورق ده روتيني عشان الترخيص! قالي إحنا هنبقى أصحاب المعرض والفلوس هتتضاعف في شهرين! والله العظيم غفلني زي ما غفلتك!
أبويا الحاج رجب قفل الدوسيه البني برنة قوية، ووقف على حيله، وبص للكل:
— خلاص يا سنية… التمثيلية خلصت، وكل ورقة بانت على حقيقتها.
سنية حاولت تتكلم وتلم الموضوع، وصوتها اتغير من الهجوم للاستعطاف المذلول:
— يا حاج رجب… استهدى بالله، إحنا نسايب وبيننا عيال، والموضوع يتحل ودي من غير فضايح ولا محاكم. إحنا هنقعد مع مدحت ده ونلغي العقد والفلوس ترجع…
أبويا قاطعها بنبرة قاطعة متقبلش جدال:
— الفلوس هترجع، غصب عن عين أشرف وعين اللي يتشددله. بس البيت ده ملوش قعاد فيه بعد النهاردة. إسلام هينزل مع مراته وعياله يقعدوا في شقة الهرم، ومفيش مليم واحد هيطلع من جيبي ليهم، ولا لقمة هتدخل بطنهم من هنا لحد ما إسلام يثبت إنه راجل ويقدر يلم بيته وينضف اللي وراه. وأشرف قدامه خمستاشر يوم بس، يجيب فيهم المية وعشرين ألف كاش ويحطهم في إيد إسلام قدام مدحت، وإلا التوكيل اللي معايا من مدحت شخصياً برفع الوصلات هيدخل النيابة تاني يوم الصبح.
أشرف بص لأبويا بعيون مليانة غل وحقد، بس مكنش قادر ينطق بحرف، لأن حبل المشنقة كان ملفوف حوالين رقبته هو وأخته تماماً. شد أمه من إيدها وهو بيجز على سنانه:
— يلا يا أمي… يلا نمشي من هنا.
سنية مشيت معاه وهي بتتلفت على بنتها ولاء اللي كانت لسه قاعدة على الأرض بتعيط، وخرجوا من باب الشقة ورزعوا الباب وراهم رقعة هزت العمارة كلها.
في الصالة، فضل إسلام واقف مكانه، باصص للباب المقفول، وبعدين بص لأبويا وأمي اللي كانوا قاعدين مهدودين من التعب والوجع.
— أدخل لم هدومك يا إسلام — أبويا قالها بصوت هادي بس بارد زي التلج — خد مراتك وعيالك، وانزلوا على الهرم. الشقة مفتوحة، بس البيت ده… متعتّبوش بابه غير لما تكون راجل اتعلمت إزاي تحمي قرشك وعرضك من أقرب الناس ليك.

