
ولاء قامت وهي بتسحب رجليها بالعافية، ودخلت أوضتها تقفل الشنط وهي بتكتم صوت بكاها، وإسلام مشي وراها بخطوات تقيلة كأنه شايل جبل على كتافه.
أحمد بصلي، وبص لـ لبنى مراته، وكلنا كنا عارفين إن اللي حصل النهاردة مكنش مجرد نهاية خناقة على كشف حساب… ده كان بداية لشرخ كبير اتفتح في العيلة، وبداية لحرب لسه أشرف ومدحت عبد العال هيكون ليهم فيها رد، ولسه الأيام اللي جاية في شقة الهرم مخبية اللي محدش كان يتوقعه.
مرت الخمسة عشر يوماً على بيت شبرا كأنها سنين عجاف، البيت اللي كان دايماً عامر بصوت العيال ودوشة الغدا بقى ساكن سكون مقابر، كأن الحيطان نفسها حزنانة على اللي انكسر. أمي كانت تقعد بعد صلاة العصر في البلكونة تبص على مدخل الشارع، عينها متعلقة بالباب، مستنية طيف إسلام ولا لمحة عياله يوسف ومريم، بس مكنش حد بيعتب الحارة.
أبويا الحاج رجب فضل على موقفه زي الصخرة الصوان، ينزل الورشة الصبح بدري، يرجع على ميعاد الغدا، يقعد يقرا في ورقه وحساباته من غير ما ينطق بحرف زايد، بس أنا وأحمد كنا عارفين إن الصمت ده وراه عاصفة لسه بتتحضر، وإن المهلة اللي ادهالهم كانت زي فتيل قنبلة موقوتة بيتحرق ببطء.
في اليوم الأخير من المهلة، الهوا في القاهرة كان مكتوم ومليان تراب وخنقة. كانت الساعة داخلة على سبعة المغرب لما تليفون البيت الأرضي رن، الرنة قطعت السكون كأنها خنجر. جريت على التليفون ورفعت السماعة، وكان صوت إسلام على الناحية التانية. صوته مكنش بس مكسور، كان مرعوب ومخنوق:
— كاريمان… بابا جنبك؟
— أيوة يا إسلام، في إيه؟ صوتك ماله؟
— قولي لبابا أشرف ومدحت في المعرض في شبين القناطر، والدنيا مقلوبة… أشرف كان بيحاول يهرب البضاعة الصبح، ومدحت قفل عليه المكان برجالته وحابسه جوة، ومستنيين بابا يروح بالورق، وإلا مدحت هيقدم الوصلات للقسم الليلة وولاء هتتسحب مع أشرف في نفس البلاغ.
أبويا كان واقف ورايا من غير ما أحس بيه، مد إيده التقيلة وسحب السماعة من إيدي وحطها على ودنه:
— جهز نفسك يا إسلام، أنا وأحمد نازلين في العربية، نص ساعة ونكون عندك في الهرم ناخدك ونطلع على شبين. ومسمعش حس لولاء، تقعد مكانها متفتحش بقها بكلمة.
أمي قامت وقفت بخضة وجريت على الصالة:
— رايحين فين يا رجب؟! بلاش شبين القناطر بالليل يا راجل، دول بلطجية وتجار خردة وميعرفوش ربنا!
أبويا بصلها بحزم وهدوء يلجم أي اعتراض:
— الحق يا ماجدة مبيتاخدش في الضلمة، ولا بيتساب للبلطجية. إحنا ولاد أصول وننزل على عينك يا تاجر. ادعي بالستر بس واقعدي مع كاريمان.
نزل أبويا وأحمد، وخدوا العربية ونزلوا على شقة الهرم، ومن هناك طاروا على طريق شبين القناطر. الرحلة في الطريق الزراعي كانت ساكتة ومفيهاش صوت غير صوت الموتور وصوت نفس إسلام المكتوم ورا. لما وصلوا المنطقة الصناعية على أطراف شبين، كان المعرض عبارة عن جمالون صاج كبير مقفول بنص باب حديد، وحواليه تلات موتوسيكلات واقفين عليها شباب باين عليهم الفتونة والشر، والأنوار الصافرة عاكسة على الشارع الطيني.
نزل الحاج رجب من العربية بخطوته الثابتة، لابس عبايته وجزمته اللي بتعمل صوت على الأرض، ووراه أحمد وإسلام. الشباب اللي واقفين على الباب أول ما شافوا هيبة الحاج رجب وسنه، وسعوا من غير كلام.
دخلوا جوة المعرض، كان مدحت عبد العال قاعد على كرسي خيزران قديم، في إيده كوباية شاي في خمسينة، وسيجارة مشتعلة في بقه، وقدامه كان أشرف قاعد على الأرض في الركن، قميصه مقطوع من عند الكتف، وشه فيه كدمة زرقا تحت عينه اليمين، وبيترعش زي الفرخة المبلولة. وعلى كرسي تاني، كانت سنية أمه قاعدة حاطة راسها بين إيديها وعمالة تشهق بالدموع.
مدحت رمى السيجارة على الأرض وداس عليها بجزمته، وقام وقف وفتح دراعاته بابتسامة صفرا:
— يا مرحب يا حاج رجب، نورت شبين القناطر كلها! كنت خايف متجيش والواد ده يلبس البدلة الزرقا وتضيع على أختك وأخوها الفرصة الأخيرة.
أبويا مشالش عينه من على أشرف اللي كان ميت من الرعب، وبعدين بص لمدحت وقال بصوت رنان ملا الجمالون:
— أنا مبخلفش ميعادي يا مدحت. الورق اللي بينك وبين الواد ده مصلحته تخلص الليلة، والقرش اللي خرج بالحرام يرجع لأصحابه، وإلا الحسبة هتدخل في سكة تانية خالص.
سنية أول ما شافت الحاج رجب، زحفت على ركبها لحد رجليه ومسكت في طرف عبايته وهي بتصرخ:
— الحقنا يا حاج رجب! مدحت هيحبس أشرف وولاء بنتي! أشرف كان فاكر نفسه بيشغل الفلوس، ومدحت نصب عليه وأخد منه البضاعة وكاتبهم وصلات بميتين وخمسين ألف مش مية وعشرين بس! هيدمروا عيالي يا حاج، استرنا بسترك يا راجل يا طيب!
أحمد بص لأشرف بغل وقال:
— ميتين وخمسين ألف؟! ما هو الطماع مبيقعش إلا في حجر النصاب! كنت فاكر نفسك بتلعب بالبيضة والحجر يا أشرف، وبتاكل في لحم جوز أختك، وأهو لبست في حيطة سد مفيش منها رجوع!
مدحت ضحك بصوت عالي:
— الوصلات أمانة يا حاج رجب، والواد ماضي وهو بكامل قواه العقلية، وأخته ضامنة معاه وورقها في جيبي. يا الفلوس تدفع كاش، يا المعرض باللي فيه يصفى لحسابي والباقي يتسدد في النيابة.
أبويا الحاج رجب مد إيده جوة جيب الجلابية وطلع الدوسيه البني، بس المرة دي مطلعش ورق، طلع شيك بنكي مسحوب باسم مدحت عبد العال، وجنبه محضر رسمي من النيابة بتهمة تزوير سجلات تجارية وممارسة نشاط بدون ترخيص في منطقة زراعية.
أبويا رمى الورق على الطبلية اللي جنب مدحت، وقرب منه خطوة وبص في عينيه من غير ما يتهز:
— ده شيك بالمية وعشرين ألف جنيه بتوع ابني إسلام، مش مليم زيادة، وده أصل المبلغ اللي دخل المعرض هنا من حساب البنك. ومعاك الورقة التانية دي، محضر النيابة اللي متقيد ضدك وضد ورشتك المشبوهة دي، اللي مسجلة باسم واحد مسجون في قض\ية تهريب. تاخد الشيك وتديني وصلات الأمانة بتاعة الواد وأخته، ونقطع الورق كله هنا دلوقتي، يا إما تفتح في الميتين وخمسين، وساعتها النيابة ورجالة المباحث هما اللي هيفتحوا الجمالون ده بكرة الصبح، وإنت عارف رجب السوهاجي كلمته بتمشي إزاي.
مدحت بص للورقة اللي فيها بلاغ النيابة، وشه اتقلب وبهت لونه، وعرف إن الحاج رجب مبيتحركش إلا وهو مأمن نفسه ومحاصر كل زاوية، ومش سايب ثغرة لحد يلوي دراعه بيها. سكت دقيقة كاملة وهو بيبص للشيك وللورقة، وبعدين نفخ في الهوا وطلع دفتر الوصلات من الدرج، ورماهم قدام الحاج رجب:
— عشت وشوفت اللي يكسر عين مدحت في شبين القناطر يا حاج رجب… خد ورقك، ومشوفش وش الواد ده ولا أخته في المحافظة كلها تاني.
إسلام مد إيده وسحب الوصلات بسرعة، وشاف إمضاء ولاء وأشرف، مسكهم وقطعهم حتت صغيرة ورماهم على وش أشرف اللي كان باصص في الأرض مكسور ومذلول.
أبويا لف ضهره ومشي ناحية الباب، وبص لـ سنية وأشرف من فوق كتفه:
— شقى السنين بيحرسه أصحابه يا سنية، واللي يعيش على النصب والطمع يموت مفضوح ومكسور العين. عيالك براهم مني، وبنتك تشوف طريقها بعيد عننا.
رجعوا على الهرم في نص الليل. البيت هناك كان كئيب ومظلم. دخل إسلام شقته، لقى ولاء قاعدة على السجادة حاطة عيالها في حضنها وبتترعش من الخوف مستنية تعرف مصيرها ومصير أخوها. أول ما الباب اتفتح وشافت إسلام دخل ووراه أبوه وأحمد، جرت عليهم ووقعت على ركبها:
— عملتوا إيه يا إسلام؟! أشرف حصله حاجة؟! القض\ية اترفعت؟!
إسلام بصلها ببرود تام، برود كان أقسى من أي ضرب أو شتيمة، طلع بواقي الورق المتقطع ورماه قدامها:
— أخوكي عايش، والحبس انشال من على رقبتك… بس بفلوس وشقى أبويا اللي انتي عيرتيه امبارح بالجمبري وقلتي عليه مبذر. أبويا دفع المية وعشرين ألف من جيبه عشان يستر عرضك وعشان العيال ميعيرهمش حد إن أمهم كانت في الحجز.
ولاء بصت للحاج رجب وهي بتعيط بحرقة حقيقية، عياط الندم اللي جه بعد فوات الأوان:
أبوس إيدك ورجلك سامحني، أنا اتعميت، الشيطان عمى عيني وأخويا غواني، مش هعمل كده تاني والله وهعيش خادمة تحت رجليكم كلكم!
أبويا الحاج رجب فضل واقف على الباب ممدش رجله جوة الشقة، وبص لـ إسلام وقال كلمته الأخيرة:
— القرار عندك يا إسلام. أنا جبتلك حقك وسترت بيتك عشان عيالك ملهمش ذنب. الشقة دي هتفضل قاعد فيها إنت وعيالك، ومصاريفك من عرق جبينك من بكرة الصبح، الورشة مفتوحالك تشتغل زي أي صنايعي وتاخد يوميتك بإيدك. أما مراتك، لو هتكمل معاها، فده حساب بينك وبينها، بس رجلها متبقاش في بيت شبرا تاني لحد ما أشوف بعيني إنها اتعلمت الأصول وعرفت قيمة القرش الحلال والراجل اللي شال همها.
أبويا سابهم ونزل على السلم، وأحمد نزل وراه، وإسلام قفل الباب وبص لولاء نظرة راجل اتولد من جديد بس بقلب قاسي وعقل فايق.
رجع أبويا وأحمد على شبرا مع ميعاد أذان الفجر. أول ما دخلوا، أمي ماجدة كانت واقفة على سجادة الصلاة بتدعي ودموعها على خدها. أبويا دخل، قلع عبايته وعلقها ورا الباب، وقعد على كنبته القديمة، وتنهد تنهيدة طويلة خرجت من أعماق قلبه كأنها حمل سنين اتشال من على ضهره.
بصلي وبص لأحمد وأمي وقال بصوت دافي بس مليان حكمة:
— البيت اللي مفهوش أصول يتهد على روس أصحابه يا ولاد. القرش بيروح وييجي، بس الكرامة والستر لو ضاعوا ميتجابوش بمال الدنيا. من بكره، كل واحد يعرف حدوده، وكل واحد يقدر النعمة اللي في إيده… والجمبري اللي ماجدة جابته، نسخنه ونتعشى بيه سوا على روقان، عشان ده كان أرخص وأغلى تمن دفعناه عشان نكشف بيه القلوب وننضف بيتنا من السوس اللي كان بينخر فيه على مهل.
قعدنا كلنا حوالين الطبلية مع طلوع نور الفجر، ورجعت السك\ينة لبيت شبرا من جديد، بس بعد ما الكل فهم إن طيبة الأهل مش ضعف، وإن الصبر وراه حساب طويل مبيغفلش عن مليم ولا عن كرامة.

