
خلتُ شقتي الجديدة المضيئة بنور الشمس، وأنا أتنفس الحرية والنقاء لأول مرة منذ سنوات طوال. أغلقتُ الباب خلفي، تاركة أحمد في الشارع يكتوي بنار انكساره وخسارته الكبرى. لم يعد يربطني به سوى الأوراق الرسمية التي تسير بخطى ثابتة في أروقة المحاكم، أوراق تُكتب بمداد من العدل الإلهي ليأخذ كل ذي حق حقه.
أما أحمد، فقد عاد إلى شقته المهجورة بعد أن تركته أمام مقر عملي. كانت الشقة مظلمة، باردة، وتفوح من جوانبها رائحة الموت وأدوية أمه الراحلة. لم يعثر في الصالة الفخمة على مقعد واحد يرتاح عليه؛ فقد جُرّدت الشقة من أثاثها المودرن وسجادها الفاخر قطعة تلو الأخرى لسداد مصاريف الجنازة والنفقات العاجلة. جلس على الأرضية الباردة، يسند رأسه إلى الجدار المقشر، والهدوء القاتل يلف المكان، هدوء لا يقطعه سوى صوت أنفاسه المتهدجة ووقع ذكرياته الأليمة.
تذكر الأيام التي كان يدخل فيها البيت ليجد الطعام الساخن جاهزاً، والشقة تعبق برائحة النظافة والعود، وأطفاله يستقبلونه بالضحك والقبلات. تذكر كيف كان يمارس عليّ الأستاذية والتكابر، ويتظاهر بالقرف ليحرم شفتي من الابتسامة، وكيف استغل طيبتي وصبري ليوفر أمواله ويشتري بها وهم السعادة الزائفة مع عروس صبية لم تلبث أن دهست كبرياءه وألقت به في أتون الديون والخلع بمجرد أن شمت رائحة المرض والمرارة.
في صباح اليوم التالي، جاءته ضربة قاضية جديدة في عمله. عند دخوله مقر الشركة، استدعاه المدير العام إلى مكتبه. لم يجد على وجه المدير سوى التجهم والصرامة. ألقى أمامه ملفه الوظيفي وقال له بنبرة حازمة: “يا أحمد، إحنا صبرنا عليك كتير جداً. غيابات متكررة، إنتاجية معدومة، وشكاوى من العملاء بسبب عدم تركيزك. فوق كل ده، وصلنا اليوم خطابات استقطاع قانوني وتنفيذي من المحكمة لعدة قضايا نفقة وديون، والشركة مش هيئة شؤون اجتماعية عشان تتفرغ لمشاكلك الشخصية. للأسف، إدارة الشركة قررت الاستغناء عن خدماتك من النهاردة.”
سقطت الكلمات على رأسه كالصاعقة. حاول أن يتوسل، أن يشرح ظروف وفاة أمه وديونه المتراكمة، لكن المدير أشار له بالخروج ببرود، مسلماً إياه قرار الفصل النهائي مع نموذج تسوية مستحقات مقتطعة بالكامل لصالح الديون والأحكام القضائية.
خرج أحمد من شركته يحمل كرتونة صغيرة فيها أوراقه الشخصية، كمن يُساق إلى الإعدام. أصبح الآن بلا عمل، بلا دخل، بلا زوجة، وبلا أم، مطارداً بأحكام قضائية نهائية بضرورة سداد مبالغ مالية ضخمة تحت طائلة الحبس الفوري.
حاول للمرة الأخيرة أن يلجأ إلى إخوته. ذهب إلى بيت أخته، تلك التي اقتسمت معه إثم الشماتة في البداية. عندما فتحت له الباب ورأت حالته الرثة وكرتونة أوراقه، لم تسمح له حتى بالدخول إلى الصالة.
وقفت على العتبة وقالت بلهجة مستفزة: “جاي ليه يا أحمد؟ جايب لك مشاكل جديدة؟ جوزي قال لي مفيش قرش واحد يدخل بيتنا من ناحيتك، ولا لينا دعوة بقضاياك ونفقات عيالك.”
صرخ في وجهها والدموع تخنق صوته: “أنا طردوني من الشغل يا فاجرة! أنا ضعت! نسيتوا الفلوس الكاش اللي أخدتوها مني تمن نصيبكم في الشقة؟ نسيتوا إن أكلت حق حكمت وعيالي عشان أوفيلكم حقوقكم؟ دلوقتي تبيعوني وأنا بالحال ده؟”
ردت عليه بقسوة وجحود: “أنت اللي جيت على نفسك وعلى بيتك عشان تتباهى وتتجوز عروستك الشابة! الفلوس اللي أخدناها كانت حقنا الشرعي في ورث أبونا، محدش ضربك على إيدك عشان تشتري الشقة لوحدك.. يلا ارجع لشقتك وبلاش تفضحنا في الشارع!”
وأغلقت الباب في وجهه بقوة، ليرتطم الصوت بقلبه وينكسر فيه آخر أمل في البشر.
عاد أحمد إلى شقته الخاوية، ليرديه المحامي الخاص بي بخبر زلزل ما تبقى من كيانه. أصدرت المحكمة حكماً باتاً بالحجز الإداري على الشقة الكبيرة ذاتها والموافقة على بيعها في المزاد العلني لاستيفاء المتأخرات المالية الضخمة لنفقات أطفالي، ومؤخر صداق العروس السابقة، والديون البنكية التي تراكمت عليه. الشقة التي هدّ حيلي في تنظيفها وسُفكت فيها صحتي، والتي اشترى أنصبة إخوته فيها ليتفاخر بها، أصبحت معروضة للبيع للغرباء بأمر القانون ليُسدد منها حق الأطفال الذين حرمهم من اللقمة!
أما أنا، فكنتُ في تلك الأثناء أعيش أجمل أيام حياتي. بالترقية الجديدة التي حصلت عليها في المركز الطبي، استطعتُ أن أتسلم سيارة صغيرة بالتقسيط المريح لتسهيل تنقلاتي مع أطفالي. أخذتُ طفليّ وأمي في عطلة نهاية الأسبوع إلى إحدى المدن الساحلية، لنقضي أياماً مليئة بالدفء والبهجة على شاطئ البحر؛ نفس البحر الذي كان أحمد يلتصق فيه بعروسه ويصور معها فيديوهات الشقاوة والدلال بفلوس معاش أمه.
كنتُ أجلس على الرمال، أراقب أطفالي وهم يركضون ويضحكون بحرية، وأتذكر كيف حاول أحمد أن يكسرني ويجعلني خدامة مجانية لأهله، وكيف رد الله كيده في نحره، فجرد من العزة، وألبسه ثوب الذل، وأراه أثر الظلم في الدنيا قبل الآخرة.
وصلتني الرسالة من المحامي تفيد بتحديد موعد المزاد العلني لبيع الشقة، وأكد لي أن نصيبي ونصيب أطفالي من متحصلات البيع سيكون كافياً لتأمين مستقبلهم التعليمي بالكامل، وشراء شقة صغيرة باسمي الخاص دون الحاجة لأي مخلوق.
لم أعد أشعر تجاه أحمد بحديد الغضب ولا بحرارة الانتقام؛ فقد حلّ مكان ذلك كله شعورٌ عظيم بالاستغناء والسكينة. أدركتُ أن كل قطرة عرق سقطت مني في خدمة عجوز أو في مسح أرضية، وكل دمعة كتمتها وقهرتها في صدري، قد تحولت بقدرة قادر إلى سياط تلاحق الظالم وتدمره من حيث لا يحتسب.
يقف أحمد اليوم على شفا الحبس والتشرد، ينظر إلى الشقة التي تُسلب منه جهاراً نهاراً، يواجه مصيره المظلم لوحده، بينما أخطو أنا مع أطفالي نحو مستقبل مشرق ناصع، مستعدة لاستقبال الفصل الحاسم الذي سيطوي صفحته من حياتي إلى الأبد.




