عام

حماتي حكايات رومانى مكرم 1

خرجت الدكتورة ريهام من الغرفة وطلبت من حماتي فوزية تتبعها للمكتب، وسابتني في حالة صدمة مش قادرة أستوعب إيه اللي بيحصل حواليا. جسمي كان بيتنفض، وأفكاري رايحة وجاية: «ولادة قبلكده؟ إزاي وأنا طول عمري عارفة إن ده أول حمل ليا؟ هل أنا كنت غايبة عن الوعي في يوم من الأيام؟ ولا في حاجة اتعملت فيا وأنا ما أعرفهاش؟».

بعد دقائق معدودة، دخل ياسين الغرفة. كان وشه أصفر وباين عليه التوتر، قرب مني وهو بيمسك إيدي بتردد وقال:

«مريم.. إنتي كويسة؟ الحمد لله إنك قمتِ بالسلامة.. أنا كنت قلقان عليكي والله».

سحبت إيدي منه ببطء، وبصيت له في عينه وقلت له بنبرة مكسورة:

«قلقان؟ أُمك كانت بتقولك سيبها بتمثل ومجبتليش الإسعاف! الجيران هما اللي أنقذوني يا ياسين! كنت هتسيبني أموت أنا وابنك عشان خايف تكسر كلمة أُمك؟»

ياسين وُشه اتغير وبدأ يبرر بصوت متوتر:

«أمي كانت فاكرة إنك بتتدلعي بس، وبعدين إحنا كنا جايين وراكي، المهم دلوقتي إنتي والولد بخير.. خلاص ارمي اللي فات ورا ظهرك».

قبل ما أرد عليه، سمعنا صوت زعيق بره الغرفة. كان صوت حماتي وهي بتتخانق مع الدكتورة ريهام بصوت عالي جداً. الصوت قرب من باب الغرفة وفجأة الباب اتفتح، ودخلت فوزية ووشها أحمر من الغضب وممسكة في إيدها حبة أوراق، ووراها الدكتورة ريهام وهي بتتكلم بكل ثبات وانضباط.

الدكتورة ريهام وقفت في نص الغرفة وقالت بصرامة:

«يا مدام فوزية، أنا الدكتورة المتابعة للحالة، ولما ألاقي نسيج ورحم مريم فيه أثار عملية قيصرية قديمة وأثار استئصال أجزاء معينة تم إخفاؤها بتقرير طبي مفبرك، يبقى لازم البوليس يتدخل، لأن دي جريمة طبية كاملة الأركان!».

ياسين وقف مذهول وقال:

«عملية إيه؟ وتقرير إيه؟ دكتورة إنتي بتقولي إيه بالضبط؟ مريم عمري ما شفت معاها أثار عمليات، إحنا متجوزين من سنة واحدة بس!».

هنا الدكتورة ريهام بصتلي وقالت:

«يا مريم.. الفحوصات الدقيقة والأشعة المقطعية السريعة اللي عملناها لما جيتي فاقدة الوعي أظهرت إنك خضعتِ لعملية جراحية معقدة من حوالي سنتين. الجرح معمول بتجميل دقيق جداً مخفي تحت خط البكيني، وبطريقة متقدمة تصعب ملاحظتها. والأهم من ده، إن الرحم عندك فيه ندبات تأكد إن كان فيه حمل مكتمل وتم توليده جراحياً! وفي تقرير طبي قادم من المستشفى الحكومي اللي اتنقلتي ليها من سنتين حادثة عربية.. التقرير ده متسجل باسمك، واللي ماضية على استلام الجنين وتفاصيل العملية كانت مدام فوزية بصفتها ولية أمرك في الوقت ده قبل جوازك من ابنها!».

أنا بقيت بصوت مش طالع.. حاسة إن الأوكسجين انسحب من الغرفة.

«سنتين؟ حادثة العربية؟».. افتكرت الحادثة! من سنتين تعرضت لحادثة عربية شديدة وفقدت الوعي وقتها لمدة شهر وكنت في غيبوبة، وأمي الله يرحمها كانت متوفية، وأبويا رجل مسن ومريض بالزهايمر.. وفي الوقت ده كانت الحاجة فوزية هي جارتنا وقريبة أمي، وهي اللي تولت رعايتي وأخدتني المستشفى!

بصيت لفوزية وأنا بجأر بالبكاء:

«إنتي عملتي فيا إيه يا فوزية؟ إنتي استغلتي إني كنت في غيبوبة في الحادثة؟ إنتي سرقتي مني إيه؟».

فوزية اتوترت ورجليها ما بقتش شايلاها، لكنها حاولت تتماسك وزعقت في ياسين:

«إنت هتصدق الهبل ده يا ياسين؟ الدكتورة دي بتخرف! مريم كانت بتتعالج عندي لما أُمها ماتت، وأنا اللي شيلتها وراعيتها، جايين دلوقتي يتبلوا عليا؟».

لكن ياسين المرة دي ما كانش قادر يسكت، قرب من أمه ومسك إيدها بقوة وقال:

«أمي! انطقي! إنتي ليه اسمك مكتوب في التقرير الطبي بتاع الحادثة القديمة؟ وليه في أوراق باسم مريم في بيتك أنا شفتها زمان وما فهمتهاش؟ وليه كنتِ مثرة إني أتجوز مريم بالذات بعد ما قامت من الغيبوبة وتدفعي إنتي مصاريف الجواز كلها؟ إنتي مخبية إيه عليا وعلى مريم؟».

فوزية زقت إيد ياسين بغل وقالت:

«أنا عملت كل ده عشان أحميك! عشان أحمي عيلتك ورأسك اللي كانت هتترفع في الطين!».

الدكتورة ريهام سحبت هاتفها وقالت ببرود:

«أنا بلغت إدارة المستشفى، والأمن في الطريق، وإحنا طلبنا الشرطة عشان نفتح تحقيق رسمي في بلاغ تجارة أعضاء أو سرقة أطفال واختطاف أجنة، لأن التقرير الصادر من المستشفى القديم مفيش فيه أي إشارة لتسليم الطفل لأي جهة رسمية، والطفل ده تسجل إنه يتيم أو متوفي بدون شهادة وفاة رسمية!».

في اللحظة دي، دخلت ندى أخت ياسين وهي بتصرخ ومسكة تليفونها:

«يا ماما! الحقيني! في ناس من الشرطة تحت عند باب المستشفى وبيعلموا تحريات، وفي ممرضة من المستشفى القديمة اللي كنتِ بتتعاملي معاها بره عايزة تقابلك ضروري وتقولك إن الموضوع اتكشف!».

فوزية وُشها بقى زي الجثة، وقعدت على أقرب كرسي وهي بتلهث. بصيت لها وأنا دموعي نازلة زي المطر، متمسكة ببطني وبالطفل اللي جوايا اللي كان بيهبد بقلة صبر كأنه حاسس بالمعركة اللي بره.

قربت منها بالكرسي المتحرك اللي الممرضة جابتهولي، وقلت لها بصوت كالقصف:

«ابني الأولاني فين يا فوزية؟ الولد اللي ولدته وأنا غايبة عن الوعي راح فين؟ إنتي بعتيه؟ ولا اديتيه لمين؟ انطقي قبل ما الشرطة تدخلي هنا وتجرجرك بالسلاسل!».

فوزية رفعت رأسها وبصتلي بعيون مليانة شر وغمزمت بضحكة هادئة ومريبة وقالت:

«عايزة تعرفي ابنك الأولاني فين يا مريم؟ ابنك اللي فاكراه ضاع أو مات من سنتين؟ ابنك عايش.. وموجود في مكان أقرب ليكي من خيالك.. بس لو عرفتي هو فين دلوقتي، إنتي وياسين هتكرهوا اليوم اللي اتولدتوا فيه!».

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى