
نزلت وأنا لابسة هدوم شيك، وشعري مفرود، ورايقة بشكل خلاهم كلهم يبصوا لي.
قالت: “العشا فين؟”
قلت: “معرفش.”
قالت: “إنتِ مصممة تكملي في اللي بتعمليه؟”
قلت: “أنا مش بعمل حاجة. أنا بس بطلت أعمل كل حاجة.”
سلفتي قالت: “يا ماما سيبيها، شكلها واخدة الموضوع تحدي.”
بصيتلها وقلت: “لا يا حبيبتي، مش تحدي. دي حياة.”
حماتي قامت من مكانها وقالت: “بقى بعد عشر سنين خدمة، تيجي في يوم وليلة وتعملي فيها ست البيت؟”
رديت: “أنا كنت ست البيت طول العشر سنين، بس محدش كان بيشوفني.”
قالت: “أنتِ عايزة إيه بالظبط؟”
قلت: “احترام.”
ضحكت بسخرية: “احترام؟ وإنتِ فاكرة نفسك مين؟”
المرة دي بصيت في عينيها مباشرة.
“أنا مرات ابنك.”
قالت: “بس مراتي ابني مش معناها إنها تتكبر علينا.”
قلت:
“وأنا عمري ما اتكبرت. أنا اللي كنت بصحى قبل الكل وأنام بعد الكل. أنا اللي كنت أغسل هدوم عيالكم، وأنا اللي كنت أعمل الأكل اللي بتحبوه، وأنا اللي كنت أسيب جوزي وبيتي عشان أجري على طلباتكم.”
وسكت شوية.
“بس فيه فرق بين إن الست تساعد أهل جوزها، وبين إنها تلغي نفسها عشان ترضيهم.”
البيت كله سكت.
في اللحظة دي، أحمد دخل.
بص للسفرة الفاضية وقال: “في إيه؟”
حماتي قالت: “مراتك قررت تتجنن علينا.”
بصلي أحمد.
قلت: “أيوه يا أحمد، مراتك اتجننت.”
اتصدم من طريقتي.
قرب مني وقال: “إنتِ بتتكلمي كده ليه؟”
قلت: “عشان أول مرة في حياتي بتكلم.”
قال: “يعني إيه؟”
قلت: “يعني لما أمك رمتلي القميص في وشي امبارح، كنت مستنية منك كلمة.”
سكت.
“كلمة واحدة بس يا أحمد. كنت مستنية تقول لها: عيب.”
نزل عينه.
قلت: “بس إنت ما قلتش.”
حماتي دخلت: “هو ابني ماله؟ أنا أمه!”
لفيت لها: “وأنا مراته. وكان المفروض يبقى راجل ويقف في النص بدل ما يسيبني لوحدي.”
أحمد قال: “خلاص يا سعاد.”
رديت: “لأ، مش خلاص.”
دي كانت أول مرة أقولها له.
“كل مرة كنت بتقول خلاص، وأنا اللي كنت بدفع تمن الخلاص ده. أرجع المطبخ، أعتذر، وأضحك كأني ما اتوجعتش.”
حماتي قالت: “أمال عايزة إيه؟”
قلت: “عايزة كل واحدة تشيل مسؤوليتها.”
وأشرت لسلفاتي.
“دي شقتها وعيالها وجوزها. ودي شقتها وعيالها وجوزها. وأنا ليا بيتي وجوزي وعيالي. لو هنتجمع عندك ناكل، يبقى كل واحدة تعمل حاجة. مش أنا أطبخ وأغسل وأمسح وأنتم قاعدين تتفرجوا.”
سلفتي قالت: “إنتِ بتتكلمي علينا؟”
قلت: “أنا بتكلم عن اللي حصل.
”
قالت: “طب ما إحنا عمرنا ما طلبنا منك تعملي كل ده.”
ضحكت.
“صح… بس أول ما كنت بتأخر كنتوا بتقولوا سعاد اتغيرت، وسعاد اتكسلت، وسعاد بقت مقصرة.”
بصيت لحماتي: “والنهارده عرفتوا إن سعاد لما تبطل، البيت كله يقف.”
حماتي احمر وشها.
قالت: “أنا مش هسمحلك تتكلمي معايا بالطريقة دي.”
قلت بهدوء: “وأنا كمان مش هسمحلك تكلمني بالطريقة اللي كلمتيني بيها امبارح.”
سكتنا الاتنين.
وبعدين قربت منها خطوة وقلت:
“القميص اللي رميتيه في وشي امبارح؟”
بصتلي.
“أنا مش زعلانة منه عشان قميص. أنا زعلانة عشان إنتِ حاولتي تكسري كرامتي قدام الناس.”
وبصيت لأحمد.
“وهو سكت.”
ثم رجعت بصيت لها.
“بس اللي إنتِ ما تعرفيهوش إنك في اللحظة دي عملتي حاجة ما كنتيش متخيلة إنها تحصل.”
قالت: “إيه؟”
ابتسمت.
“فوقتي سعاد.”
فضلت تبصلي.
وكملت:
“سعاد اللي كانت بتجري لما تنادي، سعاد اللي كانت بتقوم من نومها عشان تعملكم شاي، سعاد اللي كانت تأكل آخر واحدة، سعاد اللي كانت بتخاف تزعل حد… سعاد دي خلصت.”
حماتي قالت بصوت واطي: “يعني إيه؟”
قلت: “يعني من النهارده، لو نزلت أطبخ، هطبخ بمزاجي. لو قدرت أساعد، هساعد. لكن خدمة إجبار وإهانة؟ انتهت.”
أحمد أخيرًا اتكلم: “وماما… هي عندها حق.”
حماتي بصت له كأنها أول مرة تسمع صوته.
“إنت بتقول إيه يا أحمد؟”
قال: “بقول إن سعاد شايلة فوق طاقتها بقالها سنين.”
بصيت له، وقلبي لأول مرة حس إنه سمعني.
حماتي قعدت مكانها من غير كلمة.
أما أنا، فطلعت شقتي.
قفلت الباب ووقفت وراه.
ولأول مرة من عشر سنين، سمعت صوت السفرة تحت… من غير ما يكون فيه حد بينادي:
“يا سعاد!”
ابتسمت.
لكن الحكاية ما كانتش خلصت.
لأن حماتي، وهي قاعدة تحت، كانت بتبص لسلفاتي وبعدين تبص للسلم.
وقالت جملة خلت كل اللي قاعدين يسكتوا:
“واضح إننا ظلمناها… بس أنا مش هسيب الموضوع يعدي كده.”
وهي ما كانتش تعرف إن اللي جاي كان هيغيّر شكل البيت كله
حماتي فضلت قاعدة مكانها، ساكتة، وكأن الكلام اللي سمعته مني كان تقيل عليها أكتر من أي إهانة هي قالتها لي.
أما أنا، فطلعت شقتي وقفلت الباب ورايا.
قعدت على طرف ، وبصيت لإيديا.
الإيدين اللي اتشققوا من الصابون، واتحرقوا من الزيت، واتقطعوا من ، وشالوا أطباق وأحواش وغسيل سنين.
افتكرت أول يوم دخلت فيه البيت ده.
كنت بنت صغيرة، داخلة وأنا فاكرة إن بيت جوزي هيبقى بيتي، وإن حماتي هتبقى زي أمي.
كنت بفرح لما أعمل أكلة تعجبها، وأستنى منها كلمة حلوة كأنها جايزة.
لكن مع الوقت، الكلمة الحلوة اختفت، وفضلت الطلبات.
“يا سعاد اعملي.”
“يا سعاد هاتي.”
“يا سعاد نضفي.”
“يا سعاد الواد عايز ياكل.”
وكل ما كنت أعمل أكتر، كانوا يطلبوا أكتر.
لحد ما بقيت مش عارفة أنا مرات أحمد ولا عاملة عند العيلة.
دمعت عيني، بس المرة دي مسحت دموعي بسرعة.
أنا مش عايزة أعيط.
أنا عايزة أعيش.
عدى يومين والبيت كان حاله غريب.
كل واحدة بقت تعمل لنفسها أكل.
حماتي نفسها اضطرت تنزل المطبخ، وسلفاتي اكتشفوا إن المواعين مش بتتغسل لوحدها، وإن الأكل مش بيطلع من التلاجة سخن جاهز.
أما أنا، فكنت عاملة
نظام جديد.
بيتي الأول، نفسي الأول، وبعدهم أي حد محتاج مساعدة أساعده بمزاجي.
الغريب إن أحمد بدأ يتغير.
رجع من الشغل في يوم، لقى البيت هادي، والأكل موجود عندنا إحنا بس.
بصلي وقال: “إنتِ عاملة أكل؟”
قلت: “أيوه.”
قال: “وماما؟”
قلت: “كل واحد بقى مسؤول عن بيته.”
سكت شوية، وبعدين قال: “أنا آسف.”
بصيت له باستغراب.
قال: “على سكوتي يومها.”
فضلت ساكتة.
قرب مني وقال: “أنا عارف إني غلطت. كنت فاكر إني لو سكت هبعد المشاكل عني، بس أنا اكتشفت إني بس كنت بسيبك تواجهِيها لوحدك.”
قلت: “أنا ما كنتش محتاجة منك تخاصم أمك عشاني يا أحمد. كنت محتاجة بس تحطني في نفس مكانتها كإنسانة.”
هز راسه.
“عندك حق.”
ولأول مرة من عشر سنين، حسيت إن جوزي بدأ يشوفني فعلًا.
بعد أسبوع، حماتي طلبتني.
نزلت لها، وأنا متوقعة إنها هتبدأ خناقة.
لكنها كانت قاعدة لوحدها.
قالت: “اقعدي.”
قعدت.
فضلت ساكتة شوية، وبعدين قالت: “أنا فكرت في كلامك.”
قلبي اتقبض.
قالت: “وأنا عارفة إني ظلمتك.”
ما توقعتش الكلمة دي منها.
بصيت لها من غير ما أتكلم.
كملت: “كنت شايفة إنك لو بتعملي كل حاجة يبقى ده الطبيعي، ولما بطلتِ حسيت قد إيه البيت كان معتمد عليكِ.”
قلت بهدوء: “أنا ما كنتش عايزة أسيبكم، يا حماتي.”
قالت: “عارفة.”
“أنا كنت عايزة أحس إنكم مقدرين ده.”
نزلت عينيها.
وبعدين
قالت: “والقميص…”
سكتت.
قلت: “القميص وجعني، بس مش أكتر حاجة.”
قالت: “عارفة.”
“أكتر حاجة وجعتني إنك قلتي الكلام ده قدام الكل.”
تنهدت وقالت: “أنا غلطت.”
كانت أول مرة أسمع منها اعتذار صريح.
مدت إيدها ناحيتي.
“سامحيني.”
بصيت لإيدها شوية.
وبعدين مسكتها.
“سامحتك.”
لكن قبل ما تفرح، كملت:
“بس السماح مش معناه إننا نرجع زي الأول.”
بصتلي باستغراب.
قلت: “أنا هفضل مرات ابنك، وهفضل أحبك وأساعدك، بس مش هقبل إهانة، ومش هتحمل البيت كله لوحدي.”
هزت راسها.
“عندك حق.”
بعدها بكام يوم، حصلت حاجة ما كنتش متوقعاها.
سلفاتي نفسهم جم عندي.
الأولى قالت: “سعاد… إحنا عايزين نقولك حاجة.”
قلت: “قولي.”
قالت: “إحنا كمان كنا غلطانين.”
التانية ضحكت: “بصراحة، أنا جربت أعمل المحشي لوحدي… وطلع مصيبة.”
ضحكت رغمًا عني.
الأولى قالت: “وكمان اكتشفنا إن العيال بياكلوا أكتر مما إحنا متخيلين.”
قلت: “أهو عرفتوا.”
قالت: “وعرفنا إنك كنتِ بتتعبي فعلًا.”
بصيت لهم.
“أنا مش عايزة خناق معاكم. أنا بس عايزة كل واحدة تعرف حدودها.”
قالت: “من النهارده نتقاسم الشغل.”
ابتسمت.
“اتفقنا.”
عدت الأيام، والبيت اتغير.
بقينا نتجمع عند حماتي يومين في الأسبوع، وكل واحدة بتجيب حاجة.
واحدة تعمل صينية، والتانية تجيب سلطة وحلو، وأنا أعمل أكلة، وحماتي تختار اللي نفسها
فيه.
ولو واحدة تعبانة، الباقي يساعدها.
ما بقاش فيه شخص واحد شايل الكل.
أما أنا، فبقيت أهتم بنفسي.
بقيت أخرج مع أحمد، وأزور صحابي، وأشتري هدوم جديدة، وأقعد أشرب قهوتي من غير ما أحس بالذنب.
وفي يوم جمعة، كنت نازلة عند حماتي وأنا لابسة فستان أحمر.
أول ما دخلت، حماتي بصتلي وقالت:
“ما شاء الله يا سعاد… منورة.”
ابتسمت.
وبعدين ضحكت وقالت:
“القميص الأحمر طلع له فايدة.”
كلنا ضحكنا.
بس أنا قربت منها وقلت: “بس المرة دي، أنا اللي اخترت الأحمر.”
ضحكت وقالت: “وأنا اللي هدفع تمنه لو عايزة واحد زيه.”
ضحكنا كلنا.
وفي اللحظة دي فهمت إن أوقات كتير، المشكلة مش في البيت ولا في الأكل ولا في الخدمة.
المشكلة إننا بنسكت لحد ما الناس تفتكر إن سكوتنا موافقة.
أنا ما كنتش عايزة أنتقم من حماتي، ولا أخرب بيت العيلة.
أنا كنت عايزة حاجة واحدة بس…
إنهم يشوفوا سعاد.
مش الست اللي بتطبخ.
مش الست اللي بتنضف.
مش الست اللي بتجري على طلباتهم.
يشوفوا الإنسانة اللي ليها قلب بيتوجع، وليها كرامة، وليها حق إنها ترتاح.
ومن يومها، كل ما حد يطلب مني حاجة، لو قدرت أعملها بعملها من قلبي.
ولو مقدرتش، بقول بمنتهى الهدوء:
“معلش، مش هقدر.”
ومن غير خوف.
ومن غير إحساس بالذنب.
لأن حماتي في يوم رمت قميص نوم في وشي قدام الكل عشان تجرحني…
لكنها من غير ما تقصد، كانت بترمي آخر حاجة كانت ماسكاني في المكان ده:
خوفي من إنهم يزعلوا مني.
ومن يومها…
بطلت أخاف.
وبقيت أخيرًا أعيش.




