
بدأنا ورحلة البحث عن الدكتور رفعت. اكتشفنا إنه طلع على المعاش من سنين وعايش في فيلا في أطراف القاهرة. رحنا له وتظاهرنا إننا صحفيين بنعمل بنشرب معاه حوار عن تاريخ المستشفى.
لما دخلنا بيته، كان راجل عجوز جداً، بيتحرك بصعوبة وعلى وشك الموت. قعدنا قدامه، وبعد حوار قصير، طلعت صورة قديمة لأمنا كانت موجودة في ملف الأرشيف وحطيتها قدامه على الترابيزة.
أول ما شاف الصورة، إيديه بدأت ترتعش، ونظرة الرعب ظهرت في عينيه. آسر مال عليه وقال بوطأة صوته: “افتكرت الست دي يا دكتور؟ فريدة عبد الجواد… اللي بعتها للمصحة علشان تاخد قرشين من سهير؟ إحنا أولادها التوأم اللي سرقتهم منها.”
الدكتور رفعت اترمى ورا على الكرسي وهو بيلهث، ودموعه نزلت وقال بصوت مجهد: “سامحوني… سهير هدّدتني بفضيحة شغلي وزوّدت لي الفلوس… بس والله أمكم ما ماتت في المصحة… أمكم لسه عايشة!”
خرجنا من بيت الدكتور رفعت وأرواحنا معلقة بالكلمة الأخيرة: “أمكم لسه عايشة”. كانت الكلمة دي زي طوق نجاة اتسحبنا بيه من قاع المحيط، لكن في نفس الوقت كانت بداية لمتاهة أكبر وأقسى.
الدكتور رفعت أدانا عنوان المصحة القديمة اللي اتنقلت ليها أمنا، ورقم تليفون شخص كان شغال هناك وقريب منه. آسر كان سايق العربية بسرعة جنونية، عينيه ثابتة على الطريق وجسده كله بيرتعش من الغضب والشوق. كنت بص ببرود من الشباك وأنا بفكر: يا ترى شكلها إيه دلوقتي؟ هل فاكرانا؟ ولا السنين والأدوية مسحوا ملامحنا من ذاكرتها؟
وصلنا المصحة بعد ساعات. كانت عبارة عن مبنى ضخم رمادي ومبتعد عن العمران، أسواره عالية وتوحي بالوحشة. دخلنا وقابلنا مدير المصحة، وبحجة إننا أقارب بعاد من الدرجة الأولى وبنبحث عن سجلات قديمة، استغرقنا وقت طويل عقبال ما سمحوا لنا نطلع على الأرشيف.
المفاجأة الأولى كانت إن “فريدة عبد الجواد” أُخرجت من المصحة دي من سبع سنين فاتوا!
سألت الموظف بلهفة وأنا بمسك في قميصه: “خرجت راحت فين؟! مين اللي استلمها؟”
الموظف بصلنا بريبة وشد قميصه: “مكتوب هنا إنها أُخرجت لعدم كفاية التمويل، وتم نقلها لدار رعاية حكومية للمسنات في إحدى المحافظات المجاورة.”
خرجنا نركض للدار الجديدة. الطريق كان طويل والوقت بيعدي زي السيف. وصلنا الدار مع غروب الشمس. المكان كان متواضع جداً، ريحة المُنظفات مختاطة بريحة الخوف والوحدة. قابلنا المشرفة، وبعد محاولات ورجاء، وافقت تدخلنا الغرفة اللي فيها أمنا.
أول ما الباب اتفتح، قلبي اتخلع من مكانه.
كانت قاعدة جنب الشباك، ست انحنى ظهرها، شعرها أبيض زي التلج، ماسكة في إيدها قماشة قديمة ومربوطة ببعضها زي اللعبة، وبتدندن بصوت واطي ومكسور.
قربت منها ببطء، خطواتي تقيلة جداً. آسر وقفت رجله عند الباب ومش قادر يتحرك، الدموع نازلة من عينيه بغير صوت. قعدت على الركبتين قدامها على الأرض، وبصيت في عينيها. كانت عيون دبلانة، فيها حزن يهد جبال.
قلت بصوت مبحوح: “يا أمي…”
بصت لي ببطء شديد، نظرة فارغة في الأول، وبعدين أيديها الترعشت ونزلت القماشة. حطت إيدها المجعدة على وشي، صوابعها كانت باردة. بدأت تتفحص ملامحي، عينيا، مناخيري، وبعدين بصت لآسر اللي كان واقف ورايا، وبدأت شهقاتها تعلى.
قالت بصوت مكسور يقطع القلب: “آدم؟… آسر؟… كبرتم كدة؟… والله ما سبتكم… والله يا ولادي هما اللي خدكم مني…”
في اللحظة دي، انهرنا أنا وآسر. اترمينا في حضنها، الحضن اللي انحرمنا منه عشرين سنة. كانت بتضمنا بضعف وتعيط، وبتكرر جملة واحدة: “قالولي … قالولي أخدوهم ودفنوهم…”
سهير ما اكتفتش بإنها تسرقنا وتصهر شبابنا بالذل، دي أقنعت أمنا الحقيقية إنا متنا عشان تقطع أملها في إنها تدور علينا، ولما أمنا انهارت ورُفضت تصدق، رموها في المصحة بتهمة الجنون!
قعدنا مع أمنا ساعات، نهديها ونحكي لها إننا عايشين وبخير، وإننا رجعنا عشان ناخدها ونرجع حقها. عرفنا منها تفاصيل صغيرة لكنها كانت كافية؛ أوراق البيت القديم، وشهادة الوفاة المزورة اللي جابوهالها، والجوابات اللي كانت بتكتبها لأبونا وهي مش فاهمة ليه ما بيلبيش نداءها.
لكن رحلة النسيان والتعافي مش هتبدأ إلا لما الشيضانة تاخد عقابها.
أخدنا أمنا معانا في نفس الليلة وشيلناها على كفوف الراحة، أجرنا لها مكان أمان وحطينا تحت رعاية طبية كاملة. وجيه وقت الحساب.
آسر كان عايز يروح لسهير ويواجهها فوراً، لكن خطتي كانت أخبث وأعمق. سهير بتحب الفلوس والستر المزيف اللي عايشة فيه، وعقابها لازم يكون قاسي ويجردها من كل حاجة في لحظة واحدة.
اتصلت بسهير بعد يومين، وعملت نفسي عادي جداً وبقولها: “يا أمي… إحنا اكتشفنا إن فيه ورق قديم ورث باسم أبويا في محامي قديم بيدور عليه، والورق ده محتاج توقيعك إنتِ بصفتك الأرملة الوحيدة، عشان تستلمي مبلغ كبير.”
طمعها العمي خلاه بلعت الطعم فوراً من غير ما تشك في حاجة. حددنا المعاد في مكتب محامي اتفقنا معاه، وجت سهير وهي لابسة شياكتها وبتمثل دور الأرملة الفاضلة والست اللي ربت وأعطت.
قعدت على الكرسي بثقة وقالت: “فين الورق يا آدم؟ يارب بس تطلع حاجة تستاهل مش مجرد فتافيت.”
في اللحظة دي، باب الغرفة الجانبية للمكتب اتفتح.
خرج منه آسر… ومعه أمنا الحقيقية على كرسي متحرك، وورانا كان فيه ظابط شرطة ومحامينا اللي معاهم ملف الجريمة كامل: التقرير الطبي المزور من الدكتور رفعت، شهادة المصحة، واعتراف مكتوب ومسجل بالصوت والصورة من الدكتور قبل ما يهرب أو يموت.
أول ما سهير شافت أمنا، الوش الأنيق والضحكة المعتادة اختفوا في ثانية. وشها أصفر، عينيها وسعت من الرعب، والورق اللي كان في إيدها وقع على الأرض.
قامت وقفت وهي بترتعش وتتراجع لورا: “إنتوا… إنتوا جبتوا الست دي منين؟! دي… دي مجنونة! ماتت من زمان!”
قربت منها ووقفت قدامها بالظبط، وقلت لها بصوت هادي يرعب: “كل حاجة مشت بالظبط زي ما كنتِ مخططة يا سهير… لحد النهاردة.”




