
«يا هدى.. وحياة الوجع اللي شفتيه، ليكون كل حرف اتأنفذ في حقك بحسابه، بس قومي معايا دلوقتي.. إنتِ بتتألمي بجد ولا ده من الزعل؟»
قبل ما أرد عليه، المغص مسك في ضهري وشديت في إيده بقوة وأنا بصرخ بصوت مكتوم من كتر الوجع. حسن أول ما شاف وشي اصفر وإيدي بتتشرج في إيده، اتنفض من مكانه، نسي تعب اليوم ونسي كلام أخته وأمه، وجري جاب عبايتي وطرحتي، وبأيد بتترعش ساعدني ألبسهم، وشالني نزل بيا على السلم وهو بيجري خطوة ويسبق خطوة، وكأن الأرض مش شايلاني وشايلاه.
في المستشفى، كانت الممرضات والدكتورة بيجروا حواليا، وحسن واقف برة باب الأوضة رايح جاي، سامعة صوته وهو بيزعق في التليفون مع أخته نعمة اللي عاودت الاتصال بيه تاني عشان تتخانق:
«اسمعي يا نعمة.. كلمة زيادة وهتنسي إن ليكي أخ! أمك خرجت من بيتي بكرامتها، لكن تصغيركم ليا ولمراتي قدام الناس وخلف ظهرنا انتهى.. مراتي دلوقتي تولد، ولو جرى لها ولا للطفل حاجة بسبب حرقة دمها، قسمًا بالله ما هتدخلوا بيتي تاني طول ما أنا حي!»
قفل الخط في وشها للمرة التانية، ودخلت الدكتورة طمنته إن دا طلق مبكر بسبب الضغط العصبي والنفسي الشديد، وإنهم قدروا يثبتوا الحمل شوية بالحقن والمحاليل، بس ولازم ترتاح تمامًا وما تتنكدش نهائي.
رجعت البيت الفجر، الصالة كانت فاضية وساكتة، النور الأصفر المسهوك لسه شغال بس ما بقاش يخوف زي الأول. حسن سندني لحد السرير، غطاني بهدوء وقعد جنبي على الأرض، ساند راسه على طرف المرتبة. بصيت له وأنا كلي كسرة ودموعي نازلة:
«حسن.. أنا آسفة إن طردت أمك وأختك بسبب تعبي، بس أنا والله ماليش ذنب إن ربنا أخد مني أمي وأبويا.. أنا مش ناقصة، أنا مش عيلة عشان يتعاير بيا طفلي اللي جاي..»
حسن رفع راسه، وبص في عيني بنظرة رجولة وندم أعمق من المرة اللي فاتت، وقال بصوت حاسم يزلزل:
«إنتِ عيلتك أنا، واللي يمسك بكلمة كان يمسني في شرفي وكرامتي. أمي على راسي عشان أرضيتها، بس ظلمها ليكي مش هسمح بيه، وأختي نسيت إن ليها أخ يوقفها عند حدها. من النهاردة، مش هتدخلي حرب مع حد، حربك هي بيتك وابنك، وأنا سيفك اللي هيصد أي كسر يجيلي منك.»
تاني يوم الصبح، الباب خبط جامد بدبة مرعبة. حسن قام فتح، كانت نعمة أخته واقفة ومعاها أختها التانية “وفاء”، ووراهم أزواجهم، جايين بشرهم وعيونهم مليانة غضب عشان يربوا حسن ويهينوني أكتر بعد ما أمه اشتكت للكل.
وقف حسام زوج نعمة وقال بصوت عالي في الصالة:
«بقى يا سي حسن تبيع أمك وتزعل إخواتك عشان واحدة أصلها معروف للكل؟ بقى تقفل السكة في وش نعمة عشان ست هانم تدلعت عليك؟»
حسن وقف بثبات قدام أربعة، قفل باب أوضة النوم وراه بالكامل عشان الصوت ما يوصلنيش قوي، وبص لحسام بعين ثاقبة وقال بصوت وطي بس يرعب:
«إنت داخل بيتي ترفع صوتك عليا يا حسام؟ المدام اللي بتتكلم عنها دي شرفي وعرضي، وأم ابني. وأمي على راسي مش هرميها، بس اللي هيقل أدبه في بيتي على مراتي هطرده بشر أعماله.. أختي نعمة تجيلني تعتذر عن اللي قالت في التليفون، وإلا ماليش إخوات بنات من الليلة دي!»
نعمة صرخت بقلة حيلة وغل:
«تتبرى مننا يا حسن عشان دي؟! عشان واحدة ملهاش حد يسأل عليها؟»
حسن خطى خطوة واحدة ناحيتها وبص في عينها بكل قوة:
«إنتِ نسيتي إنها ليها ربنا؟ ونسيتي إن ليها جوز يهد الدنيا لو حد لمس طرفها؟ امشوا من بيتي دلوقتي، وما حدش فيكم يعتب العتبة دي تاني إلا وهو جاي بيعتذر وبيمسح الخاطر!»
أزواجهم حاولوا يتدخلوا، بس حسن وقف كالسد المنيع وفتح الباب على آخره وطردهم بالكامل، وقفل الباب بالمفتاح ورجع لي الأوضة وشايل معاه قرار مش هيرجع فيه أبداً.
قعد جمبي، وابتسم ابتسامة هادية بس فيها وجع، ومسك إيدي وقال:
«البيت ده مش هيدخله غير اللي بيحترمك، والطفل ده هيتولد يلقى أبوه هو عيلته وأهله وناسه كلهم.»




