روايات وقصص

حكايات بسمه 3

سمعته وهو بيحاول يهدّيها بصوت واطي ومكسور:

—يا أمي افهمي.. الشقة أصلًا كانت بفلوسها، والأوراق اللي مع المحامي كانت هتودينا في سيناريو أصعب.. أنا ما كانش قدامي غير كدة..

ردت عليه بصوت عالي جداً لدرجة إني سمعتها بوضوح من أوضتي:

—يعني كسرْتَ كلام أمك وعملت خاطر لمرتك؟ أختك قعدت تعيط طول الطريق! أنت ما بقيتش راجل في بيتك يا خالد!

الكلمة دي نزلت عليه زي السوط. سمعت صوت قفل المكالمة، وبعدها صوت حاجة بتتكسر في الصالة. طلعت بسرعة، لقيت الكوباية اللي كان يشرب فيها متفصمة على الأرض، وهو قاعد على الكنبة وحاطط وشه بين إيديه، وجسمه كله بيترعش من كثرة الضغط.

قربت منه بهدوء، رفعت إزاز الكوباية المكسورة من الأرض وحطيتها في القمامة، وقلت له بصوت خالي من أي تشفي:

—أمك مش زعلانة عشان الشقة ضاعت منك يا خالد.. أمك زعلانة عشان السيطرة ضاعت منها. زعلانة لأنها اكتشفت إن الكلمة الأولى والأخيرة في البيت ده بقت للعدل، مش لأهوائها. لو أنت عايز تفضل عايش في دور الضحية اللي بين أمه ومراته، دي مشكلتك.. بس لو عايز تكون راجل بجد، لازم تفهم إن بيتك ومرتك هما الأولوية، وإن الحق ما يزعلش حد إلا إذا كان الشخص ده متعود على الباطل.

رفع راسه وبص لي بأسى:

—أنتِ قاسية قوي يا سارة.. ما كُنتش أعرف إن جواكي كل الجفاف ده.

—الجفاف ده أنت اللي زرعته جوايا يا خالد.. —رديت وأنا بتجه لأوضتي—. زرعته كل مرة كنت بشوفك فيها بتبدي أهلك على راحتي، وكل مرة كنت بطلب فيها حقي وتبص لي كإني بطمع في حاجة مش ملكي. أنا ما بقيتش قاسية.. أنا بس بقيت حقيقية.

دخلت أوضتي وقفلت الباب، بس ما قفلتهوش بالمفتاح المرة دي. سبته موارب.

تاني يوم الصبح، صحيت على صوت حركة غريبة في المطبخ. طلعت لقيت خالد واقف، بيعمل قهوة، شكله ما نامش طول الليل، بس ملامحه كانت أهدى بكثير من العاصفة بتاعة مبارح.

أول ما شافني، حط فنجان القهوة على الترابيزة وبص لي بنظرة جديدة تماماً.. نظرة واحد بدأ يستوعب الحجم الحقيقي للمأزق اللي حط نفسه فيه، وواضح إنه أدرك إن طريق الرجوع للوراء اتقفل بالأقفال والصاج.

قال بنبرة خالية من الهجوم:

—أنا اتصلت بالمحامي الأستاذ محمود الصبح.. وطلبت منه يجهز ورقة بتصفية كل المعاملات المالية المتبقية بيننا، عشان كل واحد يعرف اللي ليه واللي عليه بالمليم.

بصيت له باهتمام، وقلت:

—وكلام أمك مبارح؟

اتنفس بعمق وقال:

—أمي على راسي.. بس بيتي وحياتي خط أحمر. أنا غلطت لما سمحت لها تتدخل ولما فكرت في حاجتك بأسلوب مش أسلوبي. الشقة بتاعتك، والتلاجة بتاعتك.. واللي عايز يعيش معانا بالأصول أهلاً بيه، واللي مش عاجبه الحق.. يبعد لحد ما يعقل.

الكلمات دي كانت أول خطوة في طريق طويل وصعب، طريق التغيير الحقيقي. بس أنا ما انخدعتش بالسرعة دي.. لأن الاختبارات الحقيقية كانت لسه جاية في السكة، وحماتي مش من النوع اللي يسلم بالهزيمة بسهولة كده.

وفعلاً.. ما عدتش 24 ساعة، لحد ما جرس الباب رن الضهر.. وكانت المفاجأة اللي ما حدش يتوقعها واقفة على العتبة!

فتحت الباب ببطء، وكانت المفاجأة اللي خلّت الدم يتجمد في عروق خالد وهو واقف ورايا في الصالة.

ما كانتش حماتي لوحدها.. كانت جايبة معاها عم خالد الكبير، الشيخ عبد الجواد، كبير العيلة، ووراه أخته وزوج أخته، ومعاهم شنطة سفر كبيرة محطوطة على الأرض عند العتبة.

حماتي ما زقتنيش ولا صرخت المرة دي. كانت لابسة وش الضحية المكسورة، وعينيها فيها دموع متصنعة بدقة شديدة. بصت لعم خالد وقالت بصوت متهدج ومبحوح:
—أهو يا حاج عبد الجواد.. أهو البيت اللي ابني طردني منه البارح عشان خاطر مراته! أهي الست اللي خليت ابننا يكتب لها الشقة ويتبرى من أمه وأخته عشان تلاجة!
خالد اتخشب في مكانه، وشه أصفر زي الورقة. عم خالد، برزانتة راجل صعيدي كبير وعكازه في إيده، دخل الصالة بخطوات تقيلة ونظراته كانت توزن بلد. بص لخالد بنظرة حادة، وبعدين بص لي من فوق لتحت وقال بصوت جهوري يهز الحيطان:
—السلام عليكم. أظن البيت ده بيت أخي المرحوم، وبيت ابننا خالد.. ولا إحنا غلطانين في العنوان يا أمير؟
خالد قرب بلهفة وارتباك يحاول يلحق الموقف:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى