
—يا عمي اتفضل، البيت بيتك.. يا أمي استهدي بالله إيه شنطة السفر دي؟ مين قال إن حد طردك؟
حماتي قعدت على أقرب كرسي وهي بتتظاهر بضيق النفس ومسكت صدرها:
—أنت اللي طردتني يا خالد! لما تسيب مرتك تهينني قدام أهلها، ولما تجيب لي عقود الشهر العقاري وتقول لي مالكيش كلمة هنا، يبقى طردتني ولا لأ؟ أنا جاية ألم باقي هدومي وأمشي من البلد كلها عشان أرضيك أنت وست الحسن!
عم خالد حط إيده على عكازه، وبص لي بنبرة مليانة تعالي وأمر مباشر:
—ادخلي اعملي حاجة نشربها يا بنتي، واقعدي جوه لحد ما نخلص كلامنا مع ابننا. المسائل دي تتحل بين الرجالة والعيلة.. الحريم مالهاش في كلام العقود والأصول.
هنا، الصمت ساد الصالة لثواني. خالد كان باصص لي بقلة حيلة، كأنه بيترجاني بنظراته إني أعدي الموقف وأدخل الأوضة عشان “المنظر قدام كبير العيلة”.
ابتسمت ابتسامة هادية جداً، وقفت في نص الصالة وما تحركتش خطوة واحدة ناحية المطبخ.
قلت بصوت واضح، واثق، وخالي تماماً من أي خوف:
—أهلاً بيك يا حاج عبد الجواد، وعلى راسي من فوق أنت وكل كبار العيلة. بس مع احترام الكامل لشخصك ولكبر سنك.. البيت ده مش بيت المرحوم، ولا بيت خالد. البيت ده ملكي أنا، بصفتي سارة، بعقد ملكية وتنازل رسمي وموثق في الشهر العقاري بفلوس شقايا وتدبيري. وكلام العيلة على راسي، بس اللي يخص مالي وبيتي، أنا أقف أتكلم فيه بصفتي صاحبة الشأن، مش أدخل الأوضة وأسيب غيري يقرر عني.
عم خالد عيونه وسعت من الصدمة، وعكازه خبط في الأرض بحدة:
—أنتِ بتكسري كلامي يا بنت أحمد؟ أنتِ بتقللي من قيمة كبير العيلة في بيت ابننا؟
—أنا ما بقللش من حد يا حاج.. —رديت وأنا بربع إيدي بثبات—. بس الحق ما يزعلش. طنط جاية بتقول إنها طردتها، والحقيقة إنها خرجت البارح بكامل إرادتها لما رفضت إنها تاخد أجهزتي الشخصية تديها لبنتها. وجاية النهاردة بشنطة سفر عشان تعمل استعراض قدامك وتضغط على خالد يرجع يظلمني تاني.
حماتي صرخت وهي بتبص لعمها:
—شايف يا حاج؟ شايف الجرأة؟ قدامك وأهو وبتتهمني بالكذب! أكتر من كده إهانة إيه؟ اتصرف يا عبد الجواد!
عم خالد بص لخالد بزعاق شديد:
—أنت واقف ساكت يا خالد؟ مرتك بتركب العيلة وبترد على عمك الكبير وأنت زي الألف؟ الكلام ده ما يمشيش عندنا! الشقة دي تتكتب باسمك تاني حالاً، والتلاجة اللي زعلانين عليها تروح لأختك رضا، ومرتك تتأسف لأمك وتجيب رأسها تبوسها قدامنا كلنا، يا إما العيلة كلها متبرية منك ليوم الدين!
كانت لحظة فارقة.. اللحظة اللي خالد كان لازم يختار فيها بجد: يفضل طول عمره تحت جزمة “المنظر والعيلة” ويخسر كرامته ونفسه، أو يوقف المهزلة دي حتى لو الثمن كان غالي.
خالد بص لعم خالد، وبعدين بص لأمه اللي كانت بتراقب المشهد بعيون مليانة ترقب وشماتة، وبعدين بص لي. شاف في عيني ست مش هترجع خطوة واحدة لورا، ست لو اتهانت النهاردة هتلم هدومها وتطرد الكل بالقانون وتنهي الجوازة دي بدون ندم.
خالد أخد نفس عميق، وكتفه نزل من الثقل، ولأول مرة في حياته.. نبرة صوته اتغيرت أمام عيلته كلها.
خطى خطوة لقدام ووقف جمبي، مش ورايا.. جمبي.
قال بصوت قوي وثابت رغم الخوف اللي جوا:
—يا عمي عبد الجواد.. على راسي كلامك ووجاهتك. بس سارة بتتكلم صح. الشقة دي انكتبت باسمها لأن الفلوس كانت فلوسها أصلًا من قبل ما نتجوز، وأنا اللي أخدت حقها زمان وكتبته باسمي عشان الشكليات والمنظر قدامكم.. وأنا اللي ظلمتها لما جيت على حقي وحقها عشان أرضي أمي وأختي.
أمه وقفت مذهولة:
—خالد! أنت بتقول إيه يا مقصوف الرقبة؟
كمل خالد وهو بيبص لأمه بكل حزم:
—بقول الحقيقة يا أمي! التلاجة بتاعة سارة بشقاها، والشقة شقتها، وأنتِ ما حدش طردك.. أنتِ اللي مش قادرة تقبلي إن سارة ليها رأي وليها حق. لو عايزة تقعدي في وسطنا على راسنا كأم محترمة وبيتها مفتوح لها، عينيا ليكي. بس لو جاية تحقومي العيلة عليا وتجبري مراتي تتنازل عن حقها وتتهان في بيتها.. يبقى أنا آسف يا عمي، بيتي ومراتي خط أحمر، مش هسمح لحد يكسرهم تاني، حتى لو كانت العيلة كلها!
عم خالد وشة احمر من الغضب، وضرب بعكازه على الأرض بقوة:
—بقى بتبيع عمك وعيلتك عشان ست؟ بقى ده أخرة تربيتنا ليك؟ الشنطة دي مش هتتفتح هنا يا خالد.. وأنت مالكش عيلة من النهاردة!
—اللي يبيع أهله عشان الظلم هو اللي يخسر يا عمي.. —رد خالد بهدوء شجاع لم أعهده فيه من قبل—. أنا مش ببيعكم.. أنا بس برجع الحق لأصحابه.
عم خالد لف وشه بغضب وقال لأخته:
—قومي يا أم خالد.. الباب اللي يتقفل في وش الحق والمشورة مالناش قعدة فيه.
حماتي كانت مصدومة تماماً، الخطة اللي عملتها عشان تكسرني بضغط العيلة اتقلبت ضدها، وابنها اللي كانت ممشياه بإشارتها وقف قدام عمها بنفسه. قامت وهي بتجر شنطتها وبتبص لخالد بمرارة شديدة، وخرجوا كلهم ورزعوا الباب وراهم رزعة هزت العمارة.
أول ما الباب اتقفل، الصالة رجعت فاضية وساكتة.
خالد كان واقف بيلهث كأنه كان في معركة حربية، عرقه نازل على وشه، وجسمه كله بيترعش من حجم القرار اللي أخده قدام كبار عيلته.
بص لي بعيون مليانة تعب وإرهاق، وقال بصوت حزين بس صادق:
—أنا خسرت عيلتي كلها النهاردة يا سارة.. ارتحتي؟
قربت منه، وحطيت إيدي على كتفه بثبات، وقلت له بنبرة أمل لأول مرة:
—أنت ما خسرتش عيلتك يا خالد.. أنت خسرت الوهم. والنهاردة بس.. أنت بديت تكون راجل صاحب بيت بجد.
لكن العاصفة ما انتهتش هنا.. لأن حماتي لما أدركت إنها خسرت ابنها بالأسلوب ده، قررت تلعب الكارت الأخير والأكثر خطورة، كارت هيغير مجرى حياتنا كلها في الأيام اللي جاية!
عدى أسبوع كامل على يوم “قعدة العيلة”. الأسبوع ده كان هادي بشكل يرعب، زي الهدوء اللي بيجي قبل الإعصار.




