Uncategorized

حكايات زهره الربيع 3

“أحفادي؟ أبوكي مات وسابلي جبال من الديون والعار! عمك توفيق وحسن وأبوه كانوا هيضيعوا كل حاجة في صفقات خسرانة. الأوقاف والتركة اللي اتسجلت باسم العيلة في الخارج كانت الحل الوحيد عشان البيت ده يفضل واقف وعشان نعيش مستورين فوق رأس الكل! أنتِ فاكرة إن العيشة والفلوس والتعليم والراحة اللي عشتِ فيها كانت جاية من الهوا؟ التركة دي كانت مشروطة بدم، وبنود الاتفاق اتكتبت من قبل ما تتولدي حتى!”

خطت خطوة أخرى، وعيناها تتسعان ببريق شيطاني:

“أنا اللي حطيت خطة الملحق (ب). كنت عارفة إن حسن وتوفيق طماعين وشياطين، وكان لازم أؤمن نفسي وأضمن إن الملايين كلها ترجع لي أنا في الآخر لو هما اتكشفوا أو اتخانقوا. أنتِ كنتِ مجرد جسر يا سمر.. جسر طاهر ونظيف ومحدش يشك فيه، تجبيلي الصغار عشان نأمن التركة ونقفل الملفات الفيدرالية رسمياً!”

“كنت مجرد جسر؟” صرخت بها وأنا أتقدم نحوها والغضب يعمي بصري. “ولادي كانوا مجرد ثمن لتأمين حسابتك في البنوك؟ أنتِ مش أم.. أنتِ أفعى، وحش، ومحدش في الدنيا دي يستحق الموت زيك!”

اندفعتُ نحوها وأمسكت بتلابيب شالها الأسود، وتصارعنا في ظلام الصالة، تتساقط الأثاث والزهريات الفخارية القديمة حولنا وتتهشم على البلاط. كانت قوة الغل في جسدي أعتى من سنها، دفعتها بقوة فسقطت على الأريكة، وجثت فوقها أضغط بيدي على عنقها، وأنا أصرخ بكل الألم الذي تكثف في روحي لسبع سنوات:

“سبعة! سبعة قتلتوهم بدم بارد! والنهاردة الحساب هيتقفل كله!”

حاولت أمي الدفع بيديها، وأظافرها تخمش وجهي وذراعيّ، وعيناها تجحظان بذهول ورعب حقيقي بعد أن رأت في عيني وجه القاتل الذي صنعوه بجهلهم وقسوتهم. كانت تتنفس بصعوبة وتتمتم بصوت مخنوق: “سمر.. أنا أمك.. سمر.. الفلوس ليكي أنتِ كمان…”

“الفلوس أترمدت بالدم يا أمي!” صرخت بها وأنا أزيد الضغط على حنجرتها، والدموع تحرق وجهي.

وفجأة، وانفجر باب الشقة الخارجي بضربة قوية مدوية!

اقتحمت القوة الشرطية الصالة بقيادة الضابط ذاته، ومعهم عشرات المسلحين بالأضواء الكاشفة. انقض الضباط عليّ وجذبوني ببطء وحذر من فوقها، بينما كانت أمي تسعل بشدة وتسترجع أنفاسها على الأريكة، وجسدها يرتعد بانهيار كامل.

وقف الضابط يمسك بي، ونظر إلى أمي المنهارة على الأريكة، ثم أخرج من حقيبته جهازا تسجيلياً صغيراً كان يحمله، وقال بنبرة قاطعة ومحملة بالنصر القضائي:

“كريمة عبد السلام.. أنتِ قيد الاعتقال بتهمة التآمر في قتل عمد متسلسل، والتزوير في محررات رسمية دولية، وتأسيس تنظيم إجرامي لإخفاء معالم جرائم القتل. مكالمتك الأخيرة مع حسن قبل ساعتين كانت مترا any ومسجلة بالكامل بالتعاون مع المخابرات العامة، واعترفاتك دلوقتي قدام المدام سمر اتسجلت بالصوت والصورة.”

نظرت أمي إلى الجهاز التسجيلي، ثم إلى الضباط، وسقطت رأسها إلى الخلف في استسلام تام وذهول مادي مطلق. اقتادها رجال الشرطة ببطء، يقيدون يديها بالحديد البارد، بينما كانت تمر من أمامي دون أن تجرؤ على رفع عينها في عيني.

وقفتُ في منتصف الشقة القديمة، وحيدة وسط حطام الأثاث والذكريات المسمومة. كان ضوء الفجر الأول يبدأ في التسلل عبر نافذة الصالة، يشق الظلام الدامس الذي خيّم على حياتي لسنوات طوال.

تقدم الضابط نحو ونظر إليّ بعينين مليئتين بالاحترام الحزين، وقال بصوت دافئ:

“القضية انتهت يا مدام سمر.. حسن، توفيق، وأمك.. الثلاثة مواجهين لأحكام الإعدام شنقاً بدون أي فرصة للتخفيف. العدالة أخذت مجراها بالكامل، وأوراق التركة المشبوهة تم التحفظ عليها وتجميدها للأبد.”

لم أرد بكلمة. أخذت نفسي الأخير الطويل من هواء الفجر النقية.

خرجت من البيت القديم لأول مرة منذ سنوات دون أن أحمل خائفة من عقارب الساعة، ودون أن أراقب نفساً مهدداً بالضياع عند سن السنة. مشيت في الشارع الخالي والشمس تشرق ببطء وتغمر المباني بالضوء الذهبي الباهر.

ذهبت مباشرة إلى المقابر.

كانت أجهزة الشرطة والطب الشرعي قد أنهت عملها، وعادت القبور السبعة إلى إغلاقها، لكن هذه المرة، كانت شواهد القبور نظيفة، طاهرة، ومحاطة بالورود البيضاء التي وضعها أهل الحي بعد أن انتشرت الحقيقة الكاملة في كل أنحاء البلاد.

جلست على الأرض بين القبور السبعة، ووضعت يدي على التراب الدافئ. لم أعد أشم رائحة الزيت القاتل، ولا رائحة الموت الخبيثة؛ كانت هناك فقط رائحة الأرض الطيبة ورائحة الصباح الجديد.

ابتسمت لأول مرة منذ سبع سنوات، ودموع هادئة، صافية، تنزل على خدودي. كنت أعلم أن أرواحهم الصغيرة الطاهرة ترقبني الآن من مكان أفضل بكثير، مكان لا توجد فيه تركات مشبوهة، ولا أوراق مسمومة، ولا بشر يبيعون دماءهم من أجل الملايين.

لقد انتهى الكابوس، وأغلقت الصفحات الملطخة بالدم إلى الأبد، واسترحت واستراح أولادي السبعة في سلام الله.

5 من 5التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى