
منى، اسمعيني الأول.
بصيت له وقلت:
— أنا مش هسمع منك دلوقتي.
وبعدين بصيت لحماتي.
— هسمع منها هي.
حماتي كانت ساكتة.
قلت:
— إنتِ قلتي “رجعوا لبعض تاني”… يعني كان فيه حاجة بينهم قبل كده؟
جوزي قال بعصبية:
— ماما، ماتتكلميش.
لفيت له.
— إنت بالذات تسكت.
يمكن لأول مرة في عشر سنين جواز يشوفني بالشكل ده.
لا بصرخ.
ولا بعيط.
ولا حتى بسأله ليه.
كنت هادية بطريقة خوّفته.
حماتي قعدت على كرسي في الممر.
وبعد لحظات قالت:
— قبل ما يعرفك… كان عايز يتجوز نهى.
حسيت كأن حد سحب الهوا من المكان.
— إيه؟
قالت:
— كانوا متعلقين ببعض من وهما صغيرين. ولما كبروا، هو طلبها للجواز.
بصيت لجوزي.
ماكنش قادر يبصلي.
كملت حماتي:
— لكن حصلت مشاكل كبيرة بين العيلتين، وأبوها رفضه… وبعدها الموضوع انتهى.
قلت:
— وانتهى إزاي؟
سكتت.
— اتجوزت؟
— لأ.
— سافرت؟
— فترة.
— وهو؟
حماتي بصتلي بحزن.
— بعدها بسنة تقريبًا قابلك إنتِ.
ضحكت ضحكة مخنوقة.
يعني أنا طول عشر سنين كنت فاكرة إني عارفة تاريخ الراجل اللي نايمة جنبه كل ليلة…
وطلع فيه فصل كامل من حياته محدش قاللي عنه كلمة.
قلت له:
— ليه ماقولتليش؟
قال:
— لأنه انتهى.
بصيت ناحية باب الأوضة.
— واضح جدًا إنه انتهى.
قال بسرعة:
— اللي حصل النهارده غلط، وأنا عارف… بس الموضوع مش زي ما إنتِ متخيلة.
قلت:
— أنا مش محتاجة أتخيل. أنا شفت.
وبعدين افتكرت حاجة.
حاجة صغيرة جدًا.
قبل حوالي سنة، نهى بدأت تزورنا أكتر.
كانت تقول إنها لوحدها، وإنها بتحب قعدة ولادي.
وكان جوزي ساعات يوصلها بعربيته.
مرة قالتلي:
— ربنا يخليكم لبعض… بيتكم فيه دفء الواحد بيحسده عليه.
وقتها حضنتها.
أنا اللي حضنتها.
رجعت بصيت لجوزي.
— من إمتى؟
سكت.
— بسألك من إمتى؟
قال:
— منى…
— من إمتى رجعت علاقتكم؟
قال بصوت واطي:
— من حوالي ثمانية شهور.
ثمانية شهور.
بدأ عقلي يحسب.
عيد ميلاد ابني.
كانت موجودة.
أول يوم مدرسة لبنتي.
كانت معانا.
عزومة رمضان.
كانت قاعدة جنبي في المطبخ.
يوم تعبت ودخلت المستشفى…
هي اللي فضلت مع ولادي.
وفجأة حسيت بالغثيان.
مش بسبب الخيانة بس.
لكن بسبب كمية الذكريات اللي اتلوثت في ثانية واحدة.
قلت:
— يعني كانت بتيجي بيتي وهي…
ماقدرتش أكمل.
جوزي قال:
— الأول كان كلام بس.
قلت:
— ماتحاولش تخففها.
وساعتها باب الأوضة اتفتح مرة تانية.
نهى خرجت.
كانت لابسة ووشها مليان دموع.
وقفت قدامي وقالت:
— منى، فيه حاجة لازم تعرفيها.
جوزي صرخ:
— نهى، لأ!
بصت له.
وبعدين بصتلي.
وقالت:
— أنا ما رجعتش له من ثمانية شهور.
سكتت لحظة.
— أنا عمري ما خرجت من حياته أصلًا.
وقتها…
حتى حماتي رفعت راسها بصدمة.
الفصل الرابع: العشر سنين اللي ماكنوش زي ما افتكرت
بصيت لنهى وأنا مش فاهمة.
— يعني إيه؟
جوزي قرب منها:
— كفاية.
لكنها رجعت خطوة وقالت:
— لأ… كفاية فعلًا.
أما أنا ففضلت ساكتة.
نهى كملت:
— قاللي لو طلبت منه وقتها يسيب كل حاجة، كان هيعملها.
قلت:
— وإنتِ طلبتي؟
هزت راسها.
— لأ.
— ليه؟
دموعها نزلت.
— لأن أهلي كانوا رافضين، وأنا كنت ضعيفة.
سألتها:
— وبعد ما اتجوزنا؟
سكتت.
وكان سكوتها كفاية.
قلت:
— كنتوا بتتكلموا؟
قالت:
— على فترات.
حسيت إن قلبي بيتكسر بهدوء.
مشهد ورا مشهد بدأ يعدي قدامي.
كل مرة كان ماسك موبايله بعيد عني.
كل سفرية شغل اتأخرت.
كل مرة نهى كانت تعرف خبر عن حياتنا قبل ما أنا أحكيلها.
كنت فاكرة إننا عيلة واحدة.
لكن الحقيقة إنهم كانوا عايشين قصة موازية وأنا واقفة في النص من غير ما أعرف.
جوزي قال:
— منى، أنا عمري ما كنت ناوي أهدم بيتنا.
بصيت له.
— لا، إنت كنت عايز تحتفظ بالاتنين.
سكت.
— بيتك وولادك ومراتك قدام الناس… ونهى في الجزء اللي محدش يشوفه.
نهى قالت:
— وأنا غلطانة زيّه.
قلت لها:
— أكيد.
ما شتمتهاش.
وما قربتش منها.
لأن اللي جوايا كان أكبر من أي خناقة في ممر موتيل.
طلعت موبايلي.
صورت رقم الأوضة.
وصورت الإيصال.
وبعدين قلت لحماتي:
— يلا نمشي.
جوزي مسك إيدي.
سحبتها فورًا.
— ماتلمسنيش.
قال:
— هنرجع البيت ونتكلم.
قلت:
— إنت ممكن ترجع البيت… بس مش عشان نتكلم.
بصلي باستغراب.
قلت:
— عشان تاخد حاجتك.
مشيت أنا وحماتي.
طول الطريق ماحدش فينا اتكلم.
لحد ما حماتي قالت فجأة:
— سامحيني.
بصيت لها.
— على إيه؟
قالت:
— كان لازم أقولك من زمان.
— إنهم كانوا بيحبوا بعض؟
هزت راسها.
لكنها ماكملتش.
وأنا لاحظت.
قلت:
— فيه حاجة تانية؟
قالت بسرعة:
— لأ.
عرفت إنها بتكدب.
لكن ما ضغطتش عليها.
لما وصلنا البيت، دخلت أوضتي وفتحت الدولاب.
طلعت شنطة صغيرة.
مش عشان أمشي.
لكن عشان أحط فيها أوراقي المهمة.
عقود.
شهادات ميلاد الولاد.
أوراق البنك.
وأنا بدور في درج جوزي…
لقيت ظرف بني في آخر الدرج.
كان عليه اسم نهى بخط إيده.
فتحته.
وفي اللحظة دي فهمت ليه حماتي قالتلي في العربية:
“كان لازم أقولك من زمان.”
جوه الظرف كانت فيه ورقة مستشفى قديمة…
تاريخها قبل جوازنا بتلات شهور.
وتحت اسم نهى…
كان مكتوب اسم جوزي في خانة الشخص المسؤول عن الحالة.
لكن اللي شدني أكتر…
كان تقرير صغير متدبس في الورقة.
قرأته مرة.
وبعدين مرة تانية.
وبعدين قعدت على طرف السرير.
لأن التقرير كان بيتكلم عن حمل قديم.
وفجأة…
بقى عندي سؤال واحد بس:
فين الطفل؟


