
دي بنتي يا نغم؟
السؤال خرج من طارق بصوت واطي، لكنه وقع عليها كأنه صرخة.
نغم فضلت واقفة مكانها تحت المطر، ماسكة إيد زينة بقوة، ووشها اتحول في لحظة من الغضب للخوف.
مش خوف منه…
خوف من اليوم اللي فضلت ست سنين كاملة تهرب منه.
زينة رفعت عينيها لأمها وقالت باستغراب:
— ماما… هو عمو بيقول إيه؟
نغم نزلت بسرعة لمستواها، وعدلت لها الكاب اللي كان المطر بلله.
— مفيش يا حبيبتي… يلا نطلع البيت عشان هدومك اتبلت.
لكن طارق اتحرك ووقف قدامها.
— نغم، أنا سألتك سؤال.
رفعت عينيها له أخيرًا.
— وأنا مش مطالبة أجاوبك.
طارق ضحك ضحكة قصيرة، مليانة صدمة أكتر من السخرية.
— مش مطالبة؟! أنا واقف قدام طفلة عندها نفس لون عيون أمي، وسنها تقريبًا على قد المدة اللي إحنا منفصلين فيها… وبتقولي مش مطالباني أعرف؟
نغم قربت زينة منها.
— وطّي صوتك.
— عندها كام سنة؟
— طارق…
— كام سنة؟!
زينة خافت من نبرة صوته، فاستخبت ورا أمها.
طارق شاف الحركة دي وسكت فورًا.
كأنه فجأة استوعب إن غضبه مالوش ذنب فيه الطفلة.
رجع خطوة لورا وقال بهدوء:
— حقك عليا يا زينة… أنا مش زعلان منك.
زينة بصتله من ورا أمها وقالت:
— إنت زعلان من ماما؟
السؤال البريء خبط الاتنين في قلبهم.
نغم ردت بسرعة:
— لأ يا حبيبتي.
لكن طارق قال في نفس اللحظة:
— أنا زعلان من نفسي.
بصتله نغم.
لأول مرة من ساعة ما شافته، ملامحها اتهزت.
لكنها تماسكت.
مسكت إيد بنتها ودخلت العمارة.
طارق فضل واقف تحت المطر.
وبعد ثواني ناداها:
— نغم!
وقفت على أول درجة.
— أنا مش همشي.
لفت له.
— براحتك.
— هفضل هنا لحد ما أفهم.
قالت ببرود:
— ممكن تفضل للصبح.
وطلعت.
الشقة كانت في الدور الرابع.
من غير أسانسير.
نغم طلعت السلالم وهي شايلة كيس العلاج بإيد، وممسكة زينة بالإيد التانية.
كل درجة كانت بتحاول تقنع نفسها إن اللي حصل تحت مجرد صدفة وانتهت.
لكنها كانت عارفة طارق.
لما يدخل سؤال دماغه، ما بيهدأش غير لما يعرف إجابته.
فتحت باب الشقة.
شقة صغيرة جدًا.
أوضتين وصالة.
الأثاث بسيط، لكن المكان نضيف ومرتب.
أول ما دخلت زينة، كحت كحتين متتاليتين.
نغم جريت عليها.
— حبيبتي، اقعدي هنا.
حطتها على الكنبة، وجابت فوطة ونشفت شعرها.
زينة قالت:
ماما…
— نعم؟
— عمو طارق ده صاحبك؟
إيد نغم وقفت.
— كان… أعرفه زمان.
— هو غني؟
ابتسمت نغم بحزن.
— وإنتِ عرفتي منين؟
— عشان دفع الفلوس بالكارت بسرعة.
ضحكت نغم رغمًا عنها.
— نامي إنتِ بس.
زينة مسكت إيدها.
— هو كان بيبصلي غريب ليه؟
نغم سكتت.
— معرفش.
— حسيت إنه عايز يعيط.
الكلمة وجعتها.
قامت بسرعة ناحية المطبخ الصغير.
— هجيبلك مية تاخدي الدوا.
لكن الحقيقة إنها كانت محتاجة تبعد عشان بنتها ما تشوفش دموعها.
فتحت الحنفية.
وحطت إيديها على الرخامة.
ست سنين.
ست سنين وهي بتقول لنفسها إنها عملت الصح.
ست سنين وهي شايلة السر لوحدها.
لكن صوت طارق وهو بيسأل:
«دي بنتي؟»
فضل بيرن في ودانها.
تحت العمارة…
طارق ما مشيش.
ركب عربيته وفضل قاعد جواها.
المطر كان بينزل على الزجاج قدامه، والموبايل ما بطلش رن.
بص للشاشة.
«معتز — مدير المكتب».
قفل المكالمة.
بعد دقيقة وصلت رسالة:
«يا باشمهندس، الاجتماع بدأ والمستثمرين مستنيين حضرتك.»
طارق كتب:
«يتأجل.»
بعد ثواني:
«حضرتك الاجتماع مع الوفد الأجنبي، وتأجيله ممكن يعمل مشكلة كبيرة.»
طارق بص ناحية شباك الدور الرابع.
وكتب:
«قولهم عندي ظرف عائلي.»
وقف عند الكلمتين.
ظرف عائلي.
هو أصلًا عنده عيلة؟
ولا ممكن يكون كان عنده عيلة كاملة طول ست سنين وهو مش عارف؟
رجع بذاكرته لآخر شهور جوازه من نغم.
كانت تعبانة كتير.
بتنام بدري.
مرة شافها بترجع من عيادة.
سألها وقتها:
— كنتِ فين؟
قالت:
— شوية إرهاق.
وهو…
ما سألش أكتر.
كان مشغول.
شركة جديدة.
صفقات.
سفر.
وأم بتدخل في كل تفاصيل حياته.
افتكر أمه يوم الطلاق.
كانت واقفة في الفيلا وبتقوله:
— سيبها تمشي يا طارق. اللي تحب جوزها ما تسيبوش بالشكل ده.
وقتها صدقها.
لكن النهارده، لأول مرة، سأل نفسه:
ليه نغم مشيت فعلًا؟
وليه ما طلبتش أي حق؟
وليه اختفت تمامًا؟
والأهم…
لو زينة بنته…
ليه خبّتها عنه؟
فتح باب العربية.
ونزل.
بعد حوالي نص ساعة…
خبط على باب الشقة.
نغم عرفت إنه هو قبل ما تفتح.
فضلت واقفة ورا الباب.
— امشي يا طارق.
صوته جه من الخارج:
— مش همشي.
— زينة تعبانة.
— عشان كده لازم نتكلم.
— مفيش كلام.
سكت ثواني.
ثم قال:
— طيب قوليلي حاجة واحدة وأنا أمشي.
نغم غمضت عينيها.
— إيه؟
— زينة عندها كام سنة؟




