منوعات

بعد الفرح بأسبوع حكايات امانى 1

ونزلنا من شقة ابننا، وفي كل خطوة على السلم كان صوت خطواتنا يتقال فيه ألف كلمة، والبنات ماسكين نفسهم بالعافية من الغيظ والمفاجأة من رد فعل أخوهم، وأنا في عقلي براجع اللي حصل، وبفكر إزاي اللي خططت له عشان يبقى كارت ضغط عليها، أتحول في ثواني لدرس قاسي لينا كلنا..
خرجنا من العمارة والشارع كان هادي، بس جواه غليان مش طبيعي. بناتي كانوا ماشيين جنبي خطواتهم سريعة ووشوشهم حمرا من الغيظ، ومفيش واحدة فيهم قادرة تنطق بكلمة لحد ما بعدنا عن العمارة بشويتين. وفجأة بنتي الكبيرة وقفت في نص الشارع، ولفتلي وهي بتضرب كف بكف، وصوتها مخنوق من شدة الانفعال:
* شفتي يا ماما؟ شفتي ابنك عمل فينا إيه عشان خاطرها؟ بيطردنا بطريقة غير مباشرة! بيحرجنا قدام واحدة بقالها أسبوع معاه! بقى إحنا اللي كبرنا وعجزنا ومش عارفين الأصول؟ عشان طلبنا منها حجة بسيطة وهي اللي كانت موافقة ورجلها على دماغها!
ردت أختها الصغيرة بسرعة وهي بتتنفض من الزعل:
* والله العظيم أنا كنت حاسة إنها بتتمسكن لحد ما تمكن! شفتوا بصاتها للباب؟ كانت عارفة إن أخويا راجع، وكانت مستنية اللحظة دي بالذات عشان تعمل الشويتين دول وتخليه يدخل يلاقيها بالمنظر ده! لعبتها صح وخليتنا إحنا اللي شكلنا وحش وشريرين، وهو جيه بلع الطعم وجري يدافع عن سي الشيخة بتاعته!
أنا كنت ماشية ساكتة، بس جوايا كان  بتغلي. الكلام كان بيمس كرامتي أنا قبل بناتي. أنا الأم اللي ربيت وسهرت وكبرت، يجيني ابني في بيته وأول أسبوع جوازه يقفلي الند بالند، ويقولي خط أحمر؟ الفكرة نفسها كانت بتاكل في صدري. بس في نفس الوقت، كان في جزء جوايا مدرك إننا استعجلنا، وإننا دخلنا الغشامة من أول يوم، بس كبريائي ما كانش سامحلي أعترف بكده قدام بناتي.
بصلتهم وقلت بنبرة مليانة حسم وغضب مكتوم:
* بس إنتِ وهي! مش عايزة أسمع صوت واحدة فيكم! إحنا غلطتنا إننا أديناها أكبر من حجمها، ودخلنا بيتها بقلب أبيض وفاكرينها زينا.. لكن واضح إن الهانم من تحت لتحت، وعرفتكوا كلكم حجمكم قدام أخوكم. بس وحياة كل كلمة قالها، الموضوع ده مش هيعدي بالساهل، وكرة الثلج دي لسه هتجيب عاليها واطيها.
رجعت البيت، والبيت كان كئيب وشكله يغم. القعدة اللي كنا مجمعين فيها الفرحة والضحك انقلبت لنكد. طول الليل ما جاليش نوم، كنت بقلب في السرير وأفكر في منظر ابني وهو شايل الجردل وبصات مراته اللي كانت مستخبية وراه. النظرة دي بالذات كانت حرقاني.. نظرة الست اللي حست إن جوزها اشتراها وباع أهله عشانها.
تاني يوم الصبح، البيت عندنا كان هادي زي المقابر. مفيش حد بيتكلم، والبنات قاعدين كل واحدة في أوضتها متغاظين. الساعة جت الضهر، وموبايلتي رن. بصيت في الشاشة، لقيت اسم ابني.
قلبي ضرب ضربة قوية، وما ردتش من أول مرة. سبته يرن لحد ما فصل، وبعدين رن تاني. في المرة الثانية فتحت السكة، وحطيت التليفون على ودني وسكت تمامًا، مستنية هو اللي يبدأ.
سمعت صوته، كان حاد وفيه بحة تعب، بس ما فيش فيه ندم:
* صباح الخير يا أمي.
رديت ببرود يقطع العرق والسلسال:
* أهلاً يا بني.. خير؟ في حاجة نسيناها عندك في البيت وأحنا مطرودين؟
تنهد نفس طويل وصوته واطي:
* يا أمي الله يهديكي، محدش طرد حد، وإنتِ عارفة إن البيت بيتك في أي وقت. أنا بتصل أطمن عليكِ وأعرف إنك مش زعلانة مني، بس في نفس الوقت كنت عايز أقولك كلمتين لوجه الله عشان نفتح صفحة جديدة ونعرف كلنا حدودنا.
قلتله وأنا بقعد على الكنبة وبصوتي كله قسوة:
* حدودنا؟ ما أنت حددتها يا سي دونجوان خلاص! قطعت لسان إخواتك وكسرت كلمتي قدام عروستك، وعرفت كل الناس إن أمك وإخواتك ملهمش لازمة عندك قصاد الست هانم! عايز تقول إيه تاني؟ جاية تعاتبني ولا جاية تديني بقية الدرس؟
ابني اتكلم بجدية شديدة وكلمات حاسمة:
* أنا لا بدي درس ولا بقلل منك يا أمي، إنتِ أمي وجزمتك فوق رأسي، بس مراتي مالهاش ذنب في أي رواسب أو حب سيطرة. البنت دخلت بيتي بأمانة أهلها، ومش جاية عشان أختي تقعد وتأمرها اغسليلي وصنفيلي وهي ساكتة عشان خايفة على زعلكم. أنا لما دخلت وشفت المنظر ده، دمى فار.. شفت مراتي مهانة في بيتي وعلى أيد أهلي. إنتِ لو بنتك اتعمل فيها كده في بيت حماها، كنتِ هتقومي الدنيا وما تقعديهاش وتقولي استعبدوها! ليه ترضيها على بنات الناس وما ترضيهاش على بنتك؟
الكلام كان زي السكين، بس أنا رديت بكبرياء:
* هي اللي وافقت! محدش مسك في إيدها الساطور وقالها اعملي! بنتك كانت بتتسلى معاها، وهي اللي قامت جابت حاجتها وعرضت!
رد عليّ بصوت مليان مرارة:
* وافقت عشان اتحرجت! عشان لسه جديدة وخايفة تقول لأ فتقولوا عليها متكبرة أو مش أصلية! استغليتم كسفتها وقلة خبرتها وصغر سنها وحطيتوها في موقف لا تحسد عليه! عمومًا يا أمي، أنا مش بتصل عشان نتخانق.. أنا بتصل أقولك إن مراتي زعلانة ومكسورة من اللي حصل، وأنا أخدتها ونازلين نعدي عليكِ بعد العصر عشان تسلم عليكِ، ومش عايز الموضوع ده يتفتح تاني، وعايز كل حاجة ترجع لطبيعتها بس بالمعروف وبالأصول.
أول ما قال “نازلين نعدي عليكِ”، بناتي اللي كانوا واقفين على باب الأوضة بيسمعوا الكلام اتسعت عينيهم بالكامل وهزوا رؤوسهم بالرفض.
قلتله بسرعة وبحدة:
* لا يا بني، كتر خيرك. متتعبش نفسك ولا تتعب الهانم. إحنا ناس مش عارفين الأصول، ومش عايزين نضايق السيدة حرمك، سيبها ترتاح في بيتها المعزز المكرم بدل ما تيجي عند ناس بيستعبدوها.
ابني سكت لحظة، وبعدها قال بنبرة أبرد من التلج:
* تمام يا أمي.. براحتك. لما تهدى الأمور وتصفي، أكون أنا ومراتي تحت أمرك. مع السلامة.
وقفل السكة! قفل السكة من غير ما يتحايل ولا يترجى زي ما كان بيعمل زمان لما أزعل منه!
القصة هنا ما انتهتش، بالعكس.. دي كانت بداية حرب صامتة. بناتي دخلوا عليّ الصالة والشرر بيطير من عينيهم.
الكبيرة قالت:
* شفتي؟ شفتي الجرأة؟ جايبها وجاي لحد هنا عشان يفرضها علينا بالسيف! عشان ندخل نعتذر لها ونبوس إيدها كمان؟ والله لو السماء انطبقت على الأرض ما هحط إيدي في إيدها ولا هكلمها كلمة تاني!
والصغيرة كملت:
* وأنا كمان يا ماما، من هنا وجاي الأخ ده ننساه، وخليه يشبع بمراته وبدلعها، ونشوف لما يقع في مشكلة مين اللي هيقف جنبه غيرنا!
مرت الأيام، والأسبوع بقى أسبوعين، والمكالمات بيني وبين ابني بَقت على قد كلمة “إزيك يا أمي” و”الحمد لله يا بني” في أقل من نص دقيقة. الجفاء دخل بيننا زي السوس، والبيت عندي بقى شحن وتعب نفسي. كنت بشوف صورهم على الفيس بوك بالصدفة، طالعين وداخلين ومبسوطين، وهي نازلة صور بابتسامة نصر مش طبيعية، وكأنها بتقولنا “أنا اللي كسبت الماتش”.
حد ما جه يوم، وكان في مناسبة عائلية كبيرة.. عزومة عند عمهم بمناسبة رجوعه من السفر. العزومة دي كان لازم الكل يحضرها، مفيش مفر ولا حجة.
وصلنا بيت عمهم، وأول ما دخلنا الصالة، كانت المفاجأة..
ابني ومراته كانوا قاعدين هناك من بدري، ومجرد ما دخلنا، العيون كلها اتجهت علينا.. ومراته قامت وقفت بسرعة، وبصتلي بنظرة مليانة ترقب، وجنبها جوزها مسك إيدها وشدها، وقربوا مننا عشان يسلموا قدام العيلة كلها…

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى