روايات وقصص

حكايات شيمو 2

ذكرياته تحت تراب السنين.
لكن  ما سابوش. عقله المريض قلبه على فكرة جديدة أشد جنوناً. لما لقى إن القانون مش هيخدمه، وإن النكد والإنذارات الكيدية ما هزتش شعرية من راسهم، قرر إنه يواجه طارق وجهة لوجه بعيد عن بيت أهلها.
فضل يراقب تحركاتهم من بعيد بأسلوب العصابات. عرف طارق بيمشي منين وبيروح فين. وفي يوم، استغل إن طارق نزل لوحده يشتري حاجات للبيت وركن عربيته في مكان هادي قريب من المول.
أول ما طارق نزل من العربية وكان راجع يحط الشنط في الشنطة الورانية،  عليه الزوج القديم وسد عليه الطريق!
الزوج القديم كان ماسك في إيده عصاية حديد مخبيها تحت جاكيته، وعينيه كانت حمرا كأنها جمرة ، وقال بصوت فحيح الأفعى:
“فاكر نفسك نفدت يا طارق؟ فاكر إنك خدت حاجتي وعايش بيها في قطر ومبسوط ومحدش يقدر يلمسك؟ أنا بوظت حياتي عشان أكسرها، تقوم تيجي أنت وتلمها وتعمل نفسك البطل؟ أنا هوريك المرجلة على أصولها بكرة!”
طارق ركب شنطة العربية بكل ثبات، ولف وشه وبص للزوج القديم، ما خافش، ولا اترعش، ولا حتى حاول يرفع إيده. وقف قدامه بكل طوله ورزافته، وبص له بعيون ممتلئة بالرحمة والاشمئزاز في نفس الوقت وقال له بصوت هادي جداً:
“أنت صعبان عليا يا أخي… والله العظيم أنت صعبان عليا.”
الزوج القديم صرخ فيه وهو رافع العصا الحديدية:
“أنا مش صعبان على حد! أنت اللي هتبقى صعبان على الناس لما أرد كرامتي منك ومنها!”
طارق رد عليه بمنتهى القوة والوضوح:
“كرامتك؟ أنت فاكر إن اللي بتعمله ده كرامة؟ أنت فاكر لما تعلق ست وتظلمها وتمنع عنها عيشتها وتفتكر إنك كاسرها، إن دي مرجلة وكرامة؟ أنت خسرتها يوم ما فكرت إنك تمتلكها مش تصونها! يوم ما فاكر إن القهر هو اللي بيثبت وجودك. أنا ما سرقتش منك حاجة، أنا اتجوزت ست مظلومة المحكمة حررتها منك، ربنا جعلني سبب عشان أعوضها عن القرف والظلم اللي شافته على إيدك. هي دلوقتي مراتي وأم ولادي، وعايشة ملكة في بيتي، وأي لمسة أو محاولة أذى منك ليها أو ليا، مش هرد عليك في الشارع… أنا هخلي القانون يمسح بيك الأرض ويرميك في السجن بقية عمرك، وساعتها هتقعد في الزنزانة عشر سنين بجد، بس مش وهي معلقة… وأنت اللي محبوس وراء القضبان!”
الزوج كان بيترعش، العصاية الحديد في إيده كانت بتهتز. كلماتها كانت حقيقة صلبة وصريحة زي الجدار. هو كان عارف في قرارة نفسه إن طارق بيتكلم صح، وإن أي تصرف طائش هيعمله دلوقتي هيدخله السجن وهيضيع مستقبله وشغله في السعودية للأبد، وهيزيد من فضيحته قدام الخلق.
في اللحظة دي، طارق فتح باب عربيته، وقبل ما يركب، بصل له وقال له أخر كلمة:
“سيب الناس تعيش حياتها، وروح أدور لك على نفس جديدة وعقل جديد تنظف بيه قلبك من الغل… لأنك لو فضلت كده، أنت اللي هتفضل معلق بين أحقادك طول عمرك.”
ركب طارق العربية ودور المحرك، ومشي وسابه واقف في نص الشارع، ماسك قطعة الحديد في إيده، والناس في الشارع بدأوا يبصوا له باستغراب وشك.
رمى العصاية في الأرض بقلة حيلة. حس ببرودة تسري في جسمه كله. أدرك إن كل الأوراق المتاحة في إيده اتحرقت، وإن المعركة اللي افتعلها في خياله طوال أربع سنين، انتهت بهزيمته الساحقة من قبل ما تبدأ أساساً.
رجع الفندق اللي كان حاطط فيه شنطه، وقعد على  يبص للسقف. كان التليفون بيرن، شركة الطيران بتبعث له رسالة إن ميعاد طيارته للعودة للسعودية بكرة الصبح.
قعد يفكر: هيسافر ويرجع السعودية إزاي؟ هيرجع يقول لأصحابه إيه اللي كانوا بيسألوه ديماً: “أخبار الست المعلقة إيه؟” هيرجع يواجه نفسه إزاي في الغربة وهو عارف إنه عاش أربع سنين خدعة كبيرة صنعها غروره؟
قرر إنه يروح المطار بكرة، ويقفل الصفحة دي غصباً عنه. لكن اللي ما كانش يعرفه، إن حده الأقصى من الشر والغل ما انتهى عند الحد ده… وأن فيه خطوة أخيرها وأخيرة جداً هيعملها في المطار قبل ما يركب الطيارة، خطوة هتخليه يدفع ثمن غروره وأفعاله بأقصى طريقة ممكن تتخيلها، وتفتح باب لمفاجأة غير متوقعة إطلاقاً لما ينزل أرض السعودية!

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى