
مد إيده بظرف أبيض مقفول دول أربعين ألف جنيه.. بعت التريلا بتاعتي بخسارة عشان أسددلك فلوسك كلها وفوقهم فوايدهم.. أنا مش عايز منك فلوس ومش عايز أكون حرامي في عينيكي.. أنا خسړت كل حاجة يا ياسمين، خسړت أمي اللي نزلت من نظري ولقيتها بتبيعني في القسم، وخسړت أخويا اللي كان شايفني مجرد بنك متحرك ومغفل، وخسرتك أنتِ.. وأنتِ كنتِ الوحيدة النضيفة في حياتي.
بصيت للظرف، وبعدين بصيت في عينيه وقولتله الفلوس دي هتروح تسلمها للأستاذ رفعت بإيصال أمانة مخالصة، عشان يسقط عنك شق خېانة الأمانة في المحكمة، أنا مش هاخد منك جنيه في إيدي. والطلاق يا ياسمين؟ هتهوني عليكي الست سنين دي كلها؟ أنا عارف إني غلطت، وعارف إني قصرت في حقك، بس أنا اتعلمت الدرس، مستعد أقطع علاقتي بيهم كلهم، مستعد أكتبلك اعتذار في الجرنال، بس اديني فرصة نبتدي من جديد بعيد عنهم!
ضحكت.. ضحكة ۏجع ممزوجة بسخرية أنت لسه مفهمتش يا إسلام؟ المشكلة مكنتش في أهلك بس، المشكلة كانت فيك أنت. أنت الراجل اللي وافقت إن مراته تتهان في بيتها وتسكت.. أنت اللي استحلقت مالها وكسرت أمانتها وخدت من وراها.. الراجل اللي يبيع مراته عشان يرضي باطل، ميرجعش يشتريها بندم متأخر. أنا مكنتش محتاجة راجل يقطع أهله علشاني، أنا كنت محتاجة راجل يكون راجل بجد، يعرف يقول للغلط غلط حتى لو كانت أمه اللي بتعمله. والفرصة اللي بتسأل عنها دي، خلصت اللحظة اللي دخلت عليا الشقة فيها ولقيت الباب مكسور ووقفت تضحك وتقولي ده أمر واقع ولازم ترضي بيه.
لفيت ضهري ودخلت بوابة الشركة. صوته كان بينادي ورايا بكسرة، بس رجلي كانت ثابتة ومبترجعش لورا.
بعد تلات شهور، كل حاجة كانت خلصت. الطلاق وقع رسمياً في المحكمة بالتراضي، بعد ما سدد كل المبالغ المسحوبة والمصاريف، وتنازل عن أي حقوق أو مطالبات. إبراهيم خد حكم ست شهور مع إيقاف التنفيذ وغرامة عشان الكسر والإتلاف بعد ما تنازلت عن الشق الجنائي عشان مأذيش مستقبله كشاب أكتر من كده، بس الڤضيحة علمِت عليه في المنطقة ومبقاش يقدر يحط عينه في عين حد. نسمة سابته ورجعت بيت أهلها بعد ما اتخانقوا وشتموا بعض في القسم وطلبت الطلاق هي كمان، والبطن السيليكون بقت نكتة بيتداولوها شباب المنطقة على القهاوي. وحماتي نادية، رجعت قعدت في شقتها القديمة في البلد، لوحدها، بعد ما ولادها الاتنين بعدوا عنها، إسلام مبيكلمهاش ومحملها ذنب خړاب بيته وخسارة عربيته وشغله، وإبراهيم طفشان ومش سائل فيها.
أما أنا.. فالحياة بدأت تبتسملي من أول وجديد. الشقة اللي كانوا عايزين يستولوا عليها ويطردوني منها، بقت جنتي الصغيرة. جددت دهاناتها بألوان فاتحة ومبهجة، جبت ورد زرعته في البلكونة اللي بتبص على الشارع، وبقيت أرجع من شغلي في العاشر براحتي، أعمل أكلي بمزاج، وأقعد أقرأ أو أتفرج على التلفزيون في سکينة ملهاش تمن.
اترقيت في شغلي وبقيت مديرة قسم المخازن بالكامل، ومرتبي زاد، وفتحت حساب توفير جديد باسمي، بس المرة دي الكارت بتاعه في جيبي أنا، ومبيخرجش منه لأي مخلوق.
وفي يوم جمعة، كنت واقفة في البلكونة بسقي الزرع، وبشرب شاي بالنعناع، وريحة الهوا النضيف كانت بتملى صدري. افتكرت كلام أبويا الله يرحمه تاني يا ياسمين، البيت ده ليكي عشان لو الدنيا دارت بيكي متبقيش في الشارع ويبقى ليكي ضهر. ابتسمت وبصيت للسما ودعيتله من كل قلبي. أبويا كان عارف إن الحيطان مش بس طوب وأسمنت، الحيطان كرامة وسند وأمان، واللي يفرط في كرامته في بيته، ملوش مطرح في أي حتة تانية في الدنيا.
اتعلمت إن الۏجع بيقوي، وإن الصبر مش معناه الخنوع، الصبر معناه إنك تستنى اللحظة المناسبة اللي تاخد فيها حقك كامل مكمل بالقانون وبالأصول، من غير ما توسخ إيدك بقذارة اللي قدامك. قفلت باب البلكونة، ودخلت شقتي الداافية، وأنا عارفة ومتأكدة إن اللي جاي في حياتي، هيكون أجمل وأهدى بكتير من كل اللي فات.




