قصص وروايات

حكايات اسما السيد 2

— أمك هي اللي قالت لنا “ظبطوها عشان تفوق”! هي اللي خططت لكل حاجة! إحنا مش هنشيل الشيلة لوحدنا… إحنا هنقول في التحقيق إن طنط نوال هي اللي حرضتنا، وهنقدم الفيديو اللي بيثبت إنها كانت واقفة بتضحك ومبسوطة!

نوال سمعت الكلام ده، وحاولت تتكلم بس لسانها كان تقيل، ودموعها نزلت على خدها من العجز والكسرة. الست اللي كانت بتتأمر وتتريق على خلق الله، أصبحت مش قادرة تدافع عن نفسها حتى قدام قرايبها اللي كانت بتقويهم على مريم.

وفجأة، باب أوتوماتيكي للغرفة اتفتح، ودخل ظابط شرطة ومعه اتنين أفراد أمناء شرطة.

الظابط بص لأحمد وقال بصرامة:

— الأستاذ أحمد عبد الجواد؟

أحمد بلع ريقه وركبه خبطت في بعضها:

— أيوة… أنا يا فندم. خير؟

الظابط طلع ورقة رسمية من جيبه وقال بنبرة جافة:

— مطلوب القابض عليك بناءً على أمر الصدور من النيابة العامة بتهمة التزوير والاختلاس والاستيلاء على أموال الشركة القابضة. اتفضل معانا بالهدوء من غير شوشرة في المستشفى.

أحمد صرخ بانهيار وهجم على رجلين الظابط:

— يا باشا ده سوء فهم! دي مراتي وبتقوم بتصفية حسابات شخصية معايا! والله العظيم تصفية حسابات!

الظابط زقه بصرامة وقال:

— الكلام ده تقولوا قدام وكيل النيابة… هاتوه يا ابني.

كلبشات الحديد اتقفلت على إيدين أحمد أمام عينين أمه اللي كانت بتبص له وشهقاتها مالية الأوضة، والدموع نازلة من عينيها زي الميه. رانيا وداليا جرو واستخبوا في طرقات المستشفى، بس أمناء الشرطة نادوا عليهم للتحفظ عليهم بناءً على أمر الضبط والاستدعاء في قضية الاعتداء.

تم سحل أحمد بره المستشفى قدام الدكاترة والمرضى والمعازيم اللي كان بعضهم قرايبه. الصور والمشاهد اتسرقت بالموبايلات، وفي ظرف ساعات كانت الأخبار مالية مواقع التواصل الاجتماعي عن انهيار إمبراطورية أحمد المالية وفضيحة الحفلة.

في المساء، كانت مريم واصلة قصر والدها. دخلت الصالون ولقيت والدها صبري باشا قاعد بيشرب قهوته وبيتابع الأخبار على التابلت.

صبري باشا بص لبنته بابتسامة فخر واعتزاز:

— أحمد دلوقتي في التخشيبة يا مريم… والنيابة رفضت الإفراج عنه بكفالة لحين استكمال التحقيقات. ونوال أمه اتحجزت في المستشفى تحت الحراسة التحفظية بمجرد ما تحسن حالتها عشان تتوجه لها تهمة التحريض.

مريم قعدت قدام والدها ورجعت ظهرها لورا، وهزت رأسها ببطء:

— ده مجرد القصاص القانوني يا بابا… بس لسه الحق المعنوي والنفسي اللي اتكسر فيا طول 11 سنة ما رجعش كاملاً.

صبري باشا سألها باهتمام:

— وناوية تعملي إيه تاني يا حبيبتي؟

مريم بصت للشيخ زايد من شباك القصر الكبير، وعينيها لمعت بذكاء وقوة وقالت:

— هشتري كل ديونهم… فيلا التجمع، والعمارات اللي كانوا بيتباهوا بيها، وسيارتهم. هخلي نوال لما تطلع من المستشفى، ما تلاقيش سقف يسترهـا إلا بيت صغير في حارة شعبية زي البيت اللي أنا اتولدت فيه قبل ما ربنا يفتح عليك… هخليها تدوق عيشة الناس اللي كانت بتتريق عليهم وتشوف شكل جسمها وعيشتها تحت خط الفقر. أما أحمد… فمش هكتفي بسبعة أو عشر سنين سجن، أنا هخليه يخرج من السجن يشتعل عندي في المخازن شيال عشان يمسح الجزام بكرامته اللي باعها.

في اللحظة دي، الموبايل بتاع مريم رن من رقم مجهول من داخل السجن.

فتحت مريم السبيكر، وجاء صوته المكسور، الباكي، اللي مليان ذل ورجاء:

— مريم… أرجوكي… أنا في التخشيبة والكلاب هنا بياكلوا بعض… أرجوكي ارحميني وتعالي اسحبلي البلاغ… هكون خدامك طول عمري… مريم ردّي عليا!

مريم اتنفس ببطء وقالت ببرود شديد:

— أحمد… فاكر لما كنت في حمام السباحة وبقولك الحقني، وقلتلي “وطي صوتك هتفضحينا”؟… دلوقتي بقى، اعلى بصوتك واصرخ براحتك… لأن محدش هيسمعك.

وقفلت الخط في وشه تماماً.

عدّت الأيام في السجن على أحمد زي الكابوس اللي ملوش نهاية. التخشيبة اللي اترما فيها كانت ضيقة، ريحتها رطوبة وعرق، والناس اللي جواه مابيرحموش. الراجل اللي كان امبارح بيلبس أغلى الماركات وبيمشي يتنازل ويعامل الناس بتكبر، بقى ينام على الأرض، وياكل اللقمة الناشفة، ويتمنى بس دقيقة واحدة يشم فيها هواء نضيف.

في الوقت ده، مريم كانت بتمارس خطتها بكل هدوء ودقة.

المستشار فاروق أخد الضوء الأخضر منها، وبدأ يتواصل مع البنوك والشركات الدائنة لأحمد وأمه. في ظرف أسبوع واحد، كانت مريم—عن طريق المجموعة القابضة—اشترت كل المديونيات والشيكات المتأخرة على فيلا التجمع الخامس، والعمارة اللي كانت نوال كاتباها باسمها، وحتى العربيات.

في المستشفى، صحة نوال بدأت تتحسن شوية، بس التحسن ده كان نقمة مش نعمة، لأنها كل ما تتنفس وتفوق، كانت بتفتكر الانهيار اللي وصلت له.

وفي يوم الخروج من المستشفى، كانت نوال فاكرة إنها راجعة لفيلا التجمع عشان تستكن وتداري كسرتها. لكن أول ما نزلت من عربية الإسعاف وهي ماسكة في العكاز ومسنودة بالعافية، اتفاجأت بقوة من الشرطة والمحضرين الواقفين قدام باب الفيلا!

المحضر قرب منها وطلع أوراق تنفيذ الحجز الإداري والإخلاء المباشر وقال ببرود:

— نوال هانم… الفيلا دي اتنقلت ملكيتها رسميًا لمجموعة المحروقي القابضة سدادًا للمديونيات والشيكات المقدمة ضدك وضد ابنك أحمد. اتفضلي استلمي حاجتك الشخصية بس، والفيلا سيتم تشميعها بالشيء الأحمر دلوقتي.

نوال صرخت بصوت مخنوق ودموعها نازلة على خدها المائل بسبب الشلل:

— إيه؟! إخلاء إيه؟! أنت عارف الفيلا دي بكام؟! دي بيتي ومكاني! روحوا قولي لمريم إني بموت… قولوها ترحمني!

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى