
— مريم هانم هي اللي أمرت بالتنفيذ الفوري يا فندم. اتفضلي بره السور عشان الباب يتقفل.
خرجت نوال للشارع، حافية تقريبًا ومسندة على العكاز، شنطة هدومها الصغيرة مرمية جنبها على الرصيف. الست اللي كانت امبارح بتتأمر وتتطاول على خلق الله وتتريق على جسم مريم وفستانها، بقت واقفة في الشارع قدام نظرات الأمن والبوابين وقرايبها اللي كانوا بيجوا عشان يستمتعوا بالحفلات.
أما رانيا وداليا، فالقضية مشيت في طريقها القانوني. أهاليهم اضطروا يدفعوا كفالات ضخمة عشان يخرجوهم على ذمة القضية، وبقت سمعتهم في العيلة والمجتمع تحت الأرض، والموبايلات اللي صورت الفيديو بقت هي الأدلة اللي محاصراهم في التحقيقات.
بعد شهرين كاملين من التحقيقات والمحاكمات، جه يوم جلسة النطق بالحكم في قضية الاختلاس والتزوير ضد أحمد.
المحكمة كانت مليانة صحفيين وموظفين من الشركة وبعض المعازيم اللي حضروا حفلة عيد الميلاد الشؤم. أحمد كان واقف جوة القفص الحديدي، وشه شاحب، خاسس أكتر من 15 كيلو، هدوم السجن البيضاء واسعة عليه ومبهدلة، ودقنه طويلة.
وفجأة، الباب الرئيسي للقاعة اتفتح…
دخلت مريم.
كانت طالعة زي الملكة، لابسة فستان أسود كلاسيكي متفصل عليها بالملمتر، بيبين شياكتها وثقتها المطلقة في نفسها، ووراها الحراسة والمحامين بتوعها. مشيت بخطوات ثابتة وقعدت في الصف الأول قدام القفص مباشرة.
أحمد أول ما شافها، مسك الأسياخ الحديدية بتاعة القفص وصرخ بدموع وبكاء هيستيري هز القاعة:
— مريم! بصيلي يا مريم! أنا أسف… والله العظيم أسف! حقي عليا يا مريم… ارجعلي وسامحيني، أنا اتعلمت الدرس! ارحميني من الظلمة دي!
مريم بصت له بثبات شديد، ملامحها مفيهاش لا غضب ولا شفقة… كانت ملامح واحدة قفلت صفحة من كتاب قديم ورمته في النار.
قاضي المحكمة خبط بالمطرقة وقال بصوت جهوري هز القاعة:
— بعد الاطلاع على الأوراق والمستندات وتقرير لجنة الخبراء الماليين، وتقارير التزوير للاختلاس العمدي… حكمت المحكمة حضورياً على المتهم أحمد عبد الجواد بالسجن المشدد لمدة ثماني سنوات، مع إلزامه برد Mبالغ المالية المختلسة وتغريمه مبلغاً مساوياً لها!
الصدمة نزلت على أحمد زي الصاعقة!صرخ صرخة مكتومة ووقع على أرضية القفص، في حين إن أمه نوال اللي كانت قاعدة في أخر القاعة انطلقت منها زغروتة مكسورة تحولت لعياط وشق هدوم.
المحامين حوطوا مريم، وهي وقفت ببطء، وبصت لأحمد وهو بيتسحل بره القفص رايح على سجن طرة، وقالت بداخلها: “دي مجرد بداية الحساب… لسه الجولة الأخيرة لما تخرج بالبدلة الزرقا.”
مرّت السبع سنوات كأنها سبعة قرون على أحمد داخل جدران السجن المعتمة. خرج أحمد من الباب الحديدي الضخم لسجن طرة، وشه ذابل، وظهره حاني، وعينيه أكلتها الحسرة. بقى بني آدم تاني خالص… راجل كبر قبل وقته، مكسور ومفيش في جيبه جنيه واحد، والبدلة القديمة اللي خرج بيها كانت واسعة ومبهدلة عليه.
أول حاجة عملها أحمد إنه راح يدور على أمه نوال.
بعد ما فقدت الفيلا والعز وكل الفلوس، نوال اضطرت تعيش في أوضة صغيرة بالإيجار في حارة شعبية بسيطة. لما فتحت له الباب، أحمد اتصدم من المنظر… الست اللي كانت امبارح بتتأنق وبتقارن نفسها بالناس وتتريق على خلق الله وعلى جسم مريم، كانت قاعدة على كرسي خشب مكسور، لابسة عباية قديمة، إيدها بملامح الشلل، ووشها ذبلان ومش لاقية حق دوا الضغط والكرامة.
التقى الاثنين بدموع الكسرة والندم، لكن الندم جه بعد ما الفأس وقعت في الرأس.
رانيا وداليا؟ قاطعتهم العيلة كلها بعد ما المحكمة حكمت عليهم مع إيقاف التنفيذ ودفع غرامات مالية كبيرة، وضاعت سمعتهم ومحدش بقى يطيق يبص في وشهم.
أحمد حاول يدور على أي شغلانة، لكن صحيفته الجنائية “فيش وتشبيه” الملطخة بتهمة الاختلاس والتزوير كانت بتقفل كل الأبواب في وشه. محدش كان راضي يشغله حتى أمن على باب عمارة.
وفجأة، جاله إخطار رسمي على عنوان أوضة أمه… إخطار من شركة “المحروقي القابضة”.
الإخطار كان فيه عرض عمل: وظيفة “عامل شحن وتفريغ وحراسة ليلي” في مخازن الشركة الكبرى في السادس من أكتوبر، بمرتب بسيط يكفي مصاريف علاج أمه والأكل والشرب.
أحمد ما كانش عنده أي خيار تاني عشان يعيش هو وأمه. قبل الوظيفة وهو حاني رأسه للأرض.
في أول يوم شغل له في المخازن، كان واقف بالبدلة الكحلي بتاعة العمال، شايل صندوق تقيل على كتفه، والعرق نازل من وشه وبيسيل على هدومه، وظهره بيوجعه من الثقل.
وفجأة… صفيحة السيارات الفخمة وقفت قدام بوابة المخزن الرئيسية.
نزل منها حراس الأمن وفتحوا الباب الملكي لسيارة رولز رويس سوداء.
نزلت منها مريم…
كانت طالعة زى النجمة في السماء. لابسة فستان أنيق باللون الدهبي الملكي—نفس اللون اللي اترمى بيها في الميه من سنين—بس المرة دي الفستان كان درع ألماسي بيبين جمالها وقوتها وشموخها. جنبها كان والدها صبري باشا، والمستشار فاروق، ومدراء الشركة بيجروا وراها عشان ياخدوا توقيعها على مشاريع جديدة بمليارات.
مريم مشيت في وسط المخزن بخطوات واثقة، وعيون الكل عليها بإجلال واحترام.
أحمد نزل الصندوق من على كتفه بسرعة، ووقف على جنب بين العمال، حاطط عينيه في الأرض من كتر الخجل والكسرة. كان يتمنى الأرض تتشق وتبلعه ولا إن مريم تشوفه بالمنظر ده.
لكن مريم وقفت قدامه بالضبط.
ريحة عطرها الفخم ملأت المكان. أحمد رفع عينيه ببطء شديد، وعينيه اتملت دموع وشوق وندم.
مريم بصت له من فوق لتحت… نفس النظرة اللي هو وأمه بصلوها لها في الحفلة، بس المرة دي كانت نظرة استعلاء ونصر، مفيهاش أي غضب ولا كره… كان فيها مجرد “لامبالاة” هي أشد أنواع الانتقام.
مريم طلعت منديل ورقي معطر من شنطتها، وقربت خطوة واحدة منه، حطت المنديل في إيده المليانة تراب وعرق، وقالت بصوت هادي، ناعم، وبارد زي الثلج:
— امسح عرقك يا أحمد… وعفّر جسمك بالشغل الحلال، يمكن الشغل ينضف اللي باظ في روحك زمان.
التفتت مريم وادت له ظهرها، ومشيت بخطوات ملكية ناحية سيارتها، وهي بتتكلم في الموبايل وبتتابع صفقاتها العالمية جديدة.
أحمد مسك المنديل المعطر وإيده بترتعش، وبص لظهرها وهو بيبكي بدموع مكتومة… اتأكد في اللحظة دي إن مريم مش بس أخدت حقها بالقانون والفلوس، دي مسحت كرامته ووجوده، وسابت له الحياة عشان يعيشها مجرد خيال راجل… راجل خسر الجوهرة اللي كانت في إيده عشان شوية زيف




