
تاني يوم الصبح، نزلت أنا وأحمد وطلعت طوالي على مكتب المحامي. حكيت له اللي سمعته، فابتسم وقال لي:
“خطوة ذكية يا سمر.. احنا هنسبقهم بمستنداتنا الرسمية. هنقدم بلاغ إثبات مستندات أصلية في النيابة ونعمل إنذار رسمي بعدم التعرض، وده هيخلي أي عقد وهمي يقدّموه يتكشف فوراً كمحاولة تزوير يعاقب عليها القانون.”
رجعت الحارة على الضهر، لقيت عبد الفتاح وأخت الحجة سعاد واقفين تحت، والحجة سعاد بتبص لي بتحدي. على الساعة أربعة العصر، طلع عبد الفتاح ومعه شخص تاني، ونادوا على سامح وطلعوا مع الحجة سعاد اللي بقت تصوت وتلم الجيران وتقول إن الشقة مبيعة بعقد قديم!
طلعت ووقفت على باب الشقة وأحمد ماسك في إيدي، والجيران متجمعين. عبد الفتاح طلع ورقة وقال بصوت عالي:
“معايا عقد بيع ابتدائي للشقة دي باسم حسين! والست دي قاعدة بدون وجه حق!”
سامح كان واقف أصفر ومش عارف ينطق. في اللحظة دي، طلع المحامي بتاعي ومعه صورة المحضر الرسمي وشكوى النيابة اللي قدمناها الصبح، وقال بصوت هز العمارة:
“الورقة دي اللي في إيدك مالهاش أي قيمة! احنا قدمنا أصول أوراق الشقة والحيازة الرسمية للنيابة الصبح، وبلاغ رسمي بأي محاولة تزوير أو تلاعب! واللي هيقدم أوراق وهمية هيتحط في طائلة القانون بتهمة التزوير!”
الشخص اللي كان جاي مع عبد الفتاح بص للورقة ولمحامي وبسرعة قال:
“أنت عاوز تورطني في قضية تزوير ومحاكم؟ الورقة دي باطلة قانوناً!” وسابهم ومشي.
الحجة سعاد اتصدمت، وعبد الفتاح بقى يتلفت حوليه. بصيت لهم وقلت بصوت حاسم:
“محاولات الالتفاف والنصب دي مش هتنفع مع القانون، وحق اليتيم محمي، وأي محاولة تلاعب تانية هيكون مصيرها الجهات القضائية بحزم.”
الحجة سعاد سكتت واتسمرت مكانها، وسامح دخل شقته منهار من الفشل. مرت الليلة بهدوء تام، ومع أذان الفجر صليت ودعيت ربنا يثبتنا. الصبح الساعة تسعة، خبط باب الشقة، وكان المحامي ومعاه المأذون الشرعي واثنين من كبار الحارة المشهود لهم بالحكمة.
دخلوا الصالة، واستدعوا سامح اللي خرج بوش مكسور، وطلعت الحجة سعاد بعد ما عرفت بوجود المأذون. قعد الحاج أحمد، كبير الحارة، وقال بصوت رزين:
“شوف يا سامح.. الحارة كلها عرفت باللي جرى، وأنك ظلمت زوجتك وأكلت حق اليتيم إرضاءً لأمك، وهي لجأت للقانون وربنا نصرها. القعدة دي مش رجوع للقديم، دي لتسوية الحقوق بالمعروف.”
سامح وطى رأسه وقال بصوت مخنوق:
“أنا غلطت يا حاج.. ومستعد أعمل اللي سمر ترضيه، بس البيوت تتبني وما تتفضحش أكتر من كده.”
وقفت أنا وبصيت لهم بكل ثقתי وقلت:
“البيت ده انكسر أمانه يا سامح يوم ما اخترت تظلمنا وتطردنا في غيابي. واللي يبيع أمانة بيته وعياله لأجل الطمع ما يبقاش سند.”
التفتّ للمأذون وقولت:
“يا مولانا.. أنا أخدت حقي بالقانون، والشقة دي حيازة لي ولأولادي ولأخويا. والنهارده بطلب الطلاق للضرر مع الاحتفاظ بكامل حقوقي الشرعية وحقوق أطفالي في النفقة والسكن، ومش هتنازل عن قرش من ورث أحمد.”
الحجة سعاد حاولت تصوت، لكن الحاج أحمد رفع إيده وقال بحزم:
“اسكتي يا سعاد! أنتِ سبب اللي وصل له ابنك بطمعك وخلاكِ تخربي بيته. الست دي صبرت ودافعت عن حقها بقانون ربنا والشرع.”
سامح بص لي بدموع حقيقية وقال بترجي:
“سمر.. عشان ولادنا بلاش الطلاق، اديني فرصة وأنا هكون إنسان تاني!”
رديت عليه بهدوء وثبات:
“اللي يبيع أهله وأمانته عشان طمعه بينهي كل الفرص. الطلاق هو الحل العادل عشان كل طرف يعرف حدوده.”
فتح المأذون الدفتر، ووقع سامح أوراق الطلاق وإيده بتترعش، وهو حاسس أنه خسر كل حاجة: زوجته الأصيلة، وكرامته، وفرحة أخوه، وما فضلش معاه غير الندم. بعد ما تمت الإجراءات بالمعروف، واتفقنا على نفقة الأولاد وسكنهم بالقانون، أخد سامح شنطته ونزل عاش مع أمه في الشقة الصغيرة.. نفس المكان اللي حاول يطردنا منه، وسبحان من يدور الدوائر ليظهر الحق.
قفل المأذون الدفتر، ومشي رجال الحارة وهم بيدعوا لي بالبركة. وقفت في صالون الشقة الواسعة، الشمس منورة كل ركن. أحمد أخويا قرب مني وحضنني بفرحة وبص لي وقال:
“أبلة سمر.. هو إحنا كده خلاص بقينا في أمان ومحدش هياخد حقنا؟”
نزلت على ركبي، وشديته لحضني وقبلت رأسه ودموع الفرحة في عيني، وقلت له بكل قوة وثقة:
“خلاص يا قلب أبلة سمر.. حقك رجع ورأسنا مرفوعة للسما دايماً. الفلوس حلالك، والبيت بيتك، واللي يعيش بالحق وبطرق القانون وعون ربنا، عمره ما يتكسر أبداً!”
دخلت أوضتي ورتبت حياتي بروح جديدة، وعرفت إن الست لما تقف في وجه الظلم بحكمة وهدوء وتمسك بالقانون، ربنا بيبني لها سقف من النصر والكرامة ما يقدرش أي جبروت في الدنيا يهدمه.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




