
ولما العربية وقفت، ونزلنا ووصلنا للمكان..
الدنيا اسودت في وشي، وعرفت الحقيقة وقتها اتمنيت من كل قلبي لو كنت صدقت جدي من أول يوم، ولو كنت فهمت إن الراجل ده مكانش بيخرف ولا حاجة.. ده كان الوحيد فينا اللي شايف الحقيقه بس للاسف.. فهمت بعد ما بقيت جوه الفخ!!!!
نزلت من العربية ورجلي بتترعش، الهواء كان ساقط وتقيل كأنه بيرفض يخليني أتنفس. المكان كان شبه مهجور، طريق مقطوع في أطراف الجيزة، على جنب منه مبنى قديم لافف حواليه سور عالي مصدي، ومفيش أي يافطة توضح ده إيه.
بصيت لجوزي محمود بذهول، لقيته بيعدل لياقته ونظراته اتغيرت تماماً.. الملامح الهادية والضحكة اللي كنت بحبها اختفت، وحل محلها برود يرعب.
إحنا فين يا محمود؟ ده مش مشوار شغل، إيه المكان ده؟!
محمود مسك إيدي بقوة مش طبيعية، قوة حسيت معاها إن عظام صوابعي هتتكسر، وقال بنبرة حادة خاليا من أي رحمة
امشي وأنتِ ساكتة يا هدى.. مش عاوز كلام كتير هنا، الناس مستنيانا جوه.
جرّني وراه، وباب الحديد المصدّي اتفتح بصوت يجرّح الودان. أول ما دخلنا المبنى، شميت ريحة مطهرات حادة مخلوطة برطوبة وعفن.. ممر طويل، إضاءته فلورسنت بترمّش وتعمل صوت زنة توتر الأعصاب. وفي آخر الممر، كان واقف راجل ببالطو أبيض، بس شكله يقطع الخلف.. عيونه زايغة وشعره منكوش، وجنبه اتنين ممرضين أجسادهم ضخمة كأنهم مصارعين.
الراجل اللي بالبالطو بص لمحمود وقال بنبرة تجارية بحتة
هي دي الحالات المذكورة؟ الورق جاهز والشيك اتصرف، يادوب نمضي الإقرار.
هنا صرخت..
صرخة هزت أركان المكان
إقرار إيه؟!
نتوا بتتكلموا عن إيه؟! محمود افتح الباب ده أنا عاوزة أمشي! عيالي فين؟!
محمود بصلي ببرود قاتل، وطلع من جيبه ملف أصفر، واداه للراجل أبو بالطو وهو بيقوله
دي تقارير من مستشفى خاص تثبت إن عندها نوبات صرع وهلاوس سمعية وبصرية حادة، وشكلها يشكل خطر على نفسها وعلى العيال.. المحكمة مش هتعرف تتكلم في حضانة ولا في مؤخر ولا شبيكة، وأنا كتر خير منسوبي حطيتها في مصحة تحت الرعاية، مش كده ولا إيه يا دكتور؟
الدكتور ابتسم ابتسامة خبيثة وهز رأسه
طبعاً.. العلاج هنا بيحتاج وقت، والتكلفة شاملة الإقامة لحد ما تهش وتبش.. أو لحد ما تغيب عن الوعي خالص.
في اللحظة دي.. الدنيا لفت بيا، وكأن الزمن وقف!
الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة.. محمود مش بس عاوز يطلقني، محمود عاوز يتخلص مني! عاوز يرميني في مصحة أمراض نفسية غير مرخصة، للناس اللي بياخدوا رشاوى عشان يكتبوا تقارير مزورة! عاوز يترمي ليا التهمة إني مجنونة عشان يضمن الحضانة، وياخد الشقة، وياخد مؤخر الصداق وفلوس ورثي اللي كان بيزن عليا أكتبه باسمه!
وفجأة.. شريط حياتي كله أتعرض قدام عيني في ثانية.
افتكرت جدي!
افتكرت نظرته لمحمود لما كان بيجيلي البيت.. جدي اللي قلبه كان حاسس، جدي اللي رغم إن الزهايمر أكل مخه ونسي ابنه ونسي الدنيا، إلا إن حبه ليا ونقاء روحه كانوا أقوى من المرض!
جدي مكانش بيخرف.. جدي بقلب الصالحين كان قاري محمود من أول لحظة! كان شايف الخباثة والغدر اللي ورا الضحكة المزيفة.. كان حاسس إن محمود بيلتبسلي الفخ وبيعزم على حاجة سودة، وكان بيحاول ينقذني بالجملة الوحيدة اللي قلبه قدر يحتفظ بيها لو قالك تعالي معايا.. اهربي ومتروحيش!
يا ريتني سمعت كلامك يا جدي.. يا ريتني ما صدقتهم لما قالوا عليك كبرت وخرفت! أنت كنت الصاحي الوحيد وسطنا، وإحنا اللي كنا مغميين عينينا وعايشين في الغفلة!
صرخت بعالي صوتي وبدأت أفرك وأضرب في محمود
يا خاين! يا نذل! عملتلك إيه عشان تعمل فيا كده؟! ده أنا صنتك وصنت بيتك وعيالي.. تبيعني عشان الفلوس؟! عشان تاخد الشقة وترميني في خانة المجانين؟!
محمود زقني بقسوة في إيد الممرضين الضخام.. الاتنين مسكوني من دراعاتي بقوة كتفتني تماماً.
خلصنا يا دكتور.. أديها أي حُقنة تهدّيها، أنا ماش عشان العيال زمانهم قلقوا.
قالها والتفت عشان يمشي بكل بساطة، كأنه بيرمي قطعة أثاث قديمة مش محتاجها!
الخوف اتأكل جوايا وحل محله غضب أعمى وغل أسرع من البرق. افتكرت إني لو دخلت الأوضة دي، مش هخرج منها حية.. لو اتكتفت هنا، جدي مش هيكون موجود عشان يحميني، وعيالي ضاعوا للأبد تحت إيدين حماتي ومحمود.
الممرض كان بيطلع سرنجة من جيبه وبيفك الغطا بأسنانه.. في لحظة ذهول منهم، استخدمت كل قوتي، وبكل غل ضربت الممرض اللي ماسكني من الشمال برجلي في منطقته الحساسة! الراجل أتسطل وصرخ وسابني.. والممرض التاني اتفاجأ، بوعي مجنون مسكت إيده وقطمتها بسناني بأقصى قوة عندي لحد ما الدم جاب من إيده وسابني هو كمان وهو بيصرخ.
جريت!
جريت زي المجنونة.. مش بحس برجلي وهي بتلمس الأرض!
سمعت محمود بيبص وراة وبيصرخ فيهم امسكوها يا غبي منك ليه! هتفضحنا!
الدكتور والممرضين جرو ورايا، ومحمود بيجري ورائهم.. الممر المظلم كان حاساه ملهوش نهاية، بس صوت تحذير جدي كان بيرن في وداني زي الأذان اهربي فوراً!
وصلت للباب الحديد الکسير، كان الراجل البواب واقف بيحاول يقفله لما سمع الصريخ.. قبل ما يلحق يقفله، زقيته بكل قوتي وبجسمي كله، الراجل اترمى على الأرض والباب اتفتح.
طلعت أجري في الشارع المقطوع.. التراب كان بيطير في وشي، وجزمتي اتخلعت من رجلي، بس مشيت حافية على الشلت والأحجار، مكنتش حاسة بأي ألم.. كان كل همي أبعد عن المبنى الملعون ده.
محمود كان بيجري ورايا وبيتفس بعنف، وصوته يقرب
استني يا هدى! مش هتعرفي تهربي! الممرضين ورايا!




