
وفجأة، انفتح باب الشقة، ودخل زوجي “محمد” وشقيقه “أحمد” برفقة المحامي. لم تكن وجوههم تحمل البشارة، ولكنها لم تكن تحمل الانكسار أيضاً، بل كان يرتسم عليها إجهاد شديد وصرامة تشبه صلابة الصخور.
وقفتُ وسألتُ بلهفة: «عملتوا إيه يا محمد؟ النيابة قالت إيه؟!».
جلس المحامي على الكرسي وأخرج ملفاً رسمياً جديداً، وقال بصوت متزن: «الحمد لله، قطعنا نصف الطريق الصعب. رئيس النيابة لما استمع للتسجيلات الصوتية وشاف الشريحة، وفحص كشف الحساب وإيصالات الأمانة المسروقة اللي كانت مخبياها في الشنطة فوق الدولاب، أدرك فوراً إن فيه مؤامرة وتدليس وتزوير.. واستصدر قراراً عاجلاً بوقف التعامل على البيت والمحلات بصفة مؤقتة لحين انتهاء التحقيقات!».
شهقت حماتي رفعت يديها للسماء تدعو بدعوات من قلب يشتعل: «الحمد لله يا رب.. الحمد لله إن بيتنا ما ضاعش!».
أكمل المحامي ونبرته تصبح أكثر جدية: «بس الموضوع ما انتهاش بالسهولة دي يا حجة.. عمكم عصام حضر مع محامين كبار في النيابة، وأصر على إنه مشتري حسن النية، وقدم أوراق تثبت إن الفلوس خرجت من حسابه للشركة العقارية فعلاً، وطالب بتشكيل لجنة رسمية للتحقق من التوقيعات. وبناءً عليه، النيابة حبست سامح 15 يوماً على ذمة التحقيق بتهمة التزوير والنصب والابتزاز، وأمرت باستدعاء سلفتك رسمياً للتحقيق معاها بكره الصبح كمتهمة ثانية ومشاركة في الجريمة!».
نظرت سلفتي للمحامي وارتجفت أطرافها وصصرخت بانهيار: «أنا؟! أنا أبات في السجن؟! والله العظيم ما كنت أعرف إن فيها سجن! أنا كنت عايزة فلوس وذهب بس! والله سامح هو اللي ورطني!».
وقف أحمد أخي زوجي، ونظر إليها بنظرة سردت كل سنوات الخيانة والغدر، وقال بنبرة حاسمة كالقدر: «القانون ما بيحميش المغفلين ولا الخاينين يا فلانة.. اللي يمد إيده على حق غيره، ويستحل مال أيتام، ويحلف على كتاب الله زور عشان يغطي على سرقته ويفضح شرف الناس، لازم يدفع التمن للآخر! ورقتك هتوصلك على بيت أبوعِك، والنيابة هي اللي هتجيب حقنا منك ومن سامح وعصام!».
دخل اثنان من أمناء الشرطة كانا ينتظران بالأسفل بطلب من النيابة، واقتادا سلفتي من يدها وهي تصرخ وتتوسل إليّ وإلى حماتي أن نسامحها أو نتنازل عن البلاغ، لكن أحداً لم يتحرك.. فقد كان السهم قد خرج من القوس، والعدالة الإلهية التي بدأت بـ “جهاز براون” صغير أخذته بغير حق، أوشكت أن تطبق فكّيها على كل من شارك في هذه الخدعة الدنيئة.
التفت زوجي محمد إليّ، وأ مسك بيدي أمام المحامي والجميع، وقال بصوت يملؤه الثبات: «بكره الصبح الجلسة الفاصلة في النيابة يا حبيبتي.. بكره القاضي هيصدر القرار النهائي بشأن المحلات والبيت، وهيتحدد مصير كل واحد في القصة دي بشكل رسمي وقاطع.. وبكره بس، القصة دي هتقفل دفترها الأخير للابد!».
أشرقت شمس اليوم التالي كأنها تغسل سنوات العتمة والزيف التي عاشتها العائلة. كانت أروقة سراي النيابة العامة تعج بالحركة والترقب، والجميع يقفون أمام باب مكتب رئيس النيابة والأيدي على القلوب.
في الداخل، اعتلى رئيس النيابة منصته، وأمامه ملف القضية المتفجر بالأدلة. حضر العم “عصام” برفقة هيئة دفاعه وهو يرتدي قناع التكبر، وظن أن أمواله ونفوذه ستمكنه من اقتطاع حق إخوته وأبناء شقيقه المتوفى. وإلى جواره وقف “سامح” و”سلفتي” بالكلبشات في أيديهما، وجوههما شاحبة كالرماد، قد أسقط في أيديهما تماماً.
بدأت الجلسة، ووقف محامي العائلة يتقدم بالدليل تلو الآخر: شريحة الهاتف، التسجيلات الصوتية المفرغة، كشف الحساب البنكي، والشهادة القاطعة لخبراء التزييف والتزوير الذين أثبتوا أن التوكيل العام الذي استغله “سامح” تم التلاعب ببوده واستغلاله بنية التدليس والإضرار بالورثة الشرعيين، وأن العم “عصام” لم يكن مشترياً بحسن نية كما ادعى، بل كان متواطئاً ويعلم بعيب التوكيل ورغبة الانتقام.
ولم تقف الأحداث عند هذا الحد؛ إذ انهار “سامح” أمام المحقق وسكب الاعترافات كاملة، مقراً بأنه هو من أوعز لـ “سلفتي” بسرقات الذهب، وأمرها بإخفاء جهاز البراون في الحقيبة السرية والتحدي بالحلفان على القرآن الكريم لتشتيت الشكوك وإحداث فتنة تشغل الجميع عنهما أثناء تنفيذ صفقة بيع البيت والمحلات.
وبعد ساعات من المداولة والدراسة الفاحصة، خرج رئيس النيابة وأصدر قراره النهائي التاريخي:
1. **بطلان كافة عقود البيع والرهن** الصادرة من “سامح” لصالح الشركة العقارية ولصالح العم “عصام”، وإعادة ملكية بيت العائلة والمحلات التجارية بالكامل لحماتي وأبنائها الورثة الشرعيين.
2. **إحالة “سامح” و”سلفتي” والعم “عصام” إلى محكمة الجنايات** بتهم النصب والتزوير في أوراق رسمية، والاستيلاء على أموال القاصرين والورثة، والابتزاز.
3. **التحفظ على كافه الأموال والمشغولات الذهبية** المضبوطة والمستردة من المتهمين وسدادها فوراً لحماتي ولي.
عندما نُطق بالقرار، سقطت حماتي على الأرض ساجدة لله دموعها تبلل البلاط، وانخرطت أخت زوجي “نورة” في بكاء الارتياح بعدما انزاح الكابوس عن كاهلها. أما العم عصام وسامح وسلفتي، فقد اقتيدوا إلى السجن لمواجهة مصيرهم المحتوم وعقوبتهم الرادعة.
خرجنا من سراي النيابة والعافية تدب في أركان العائلة من جديد. وفي المساء، اجتمعنا في بيت حماتي، لكن أجواء البيت كانت مختلفة تماماً؛ فقد عادت الأمانة إلى نصابها، واختفت الأفاعي التي كانت تنفث سمومها بيننا.
تقدم زوجي “محمد” أمامي وأمام أمه وأخيه أحمد، وأخرج من علبته جهاز البراون الخاص بي، الذي استرددناه رسمياً من مضبوطات النيابة، ووضعه بين يديّ بكل احترام وتقدير، وقال بصوت هزته العاطفة:
«يا حبيبتي.. الجهاز ده مش مجرد هدية من أخوكي، الجهاز ده كان الفتيل اللي ربنا أظهره عشان يكشف المستور، ويحمي بيتنا وأرضنا وأمنا من الضياع. تعلمت منك إن السكوت عن الحق مش طيبة ولا أصل، السكوت عن الحق هو اللي بيدي فرصة للشر إنه يكبر. حقك فوق راسي، والبيت ده مفتوح بعزك وبوجودك».
ردت حماتي وهي تحتضنني وتُقبل رأسي: «سامحيني يا بنتي.. كنت فاكراكي بتعملي مشكلة على لعبة، وأتاري ربنا كان مخرجك سبب عشان تنقذينا كلنا. حسبي الله ونعم الوكيل في كل خاين، والحمد لله الذي ظهر الحق بفضله».
ابتسمتُ وأنا أمسك جهازي بيدي، وأدركتُ حينها أن الحق قد يتباطأ أحياناً بسبب خجلنا أو حرصنا الزائد على مشاعر من لا يستحقون، ولكن حين نصرّ على الاستقامة ولا نرضى بالباطل، يبتعث الله من الأسباب أصغرها ليدكّ به عروش الزيف والخدع، وينصُر الصادقين ولو بعد حين.




