
اتنهدت.
“أيوه.”
قالت:
“خلاص. أقول لأبوكي ييجي ياخدك؟”
ما سألتنيش حصل إيه.
ماقالتشلي استحملي.
ماقالتشلي يمكن يكون عنده سبب.
ماقالتشلي فكري في بيتك.
ولا قالتلي أرجعي لجوزك.
بس قالت:
“أبوكي ييجي ياخدك.”
حسيت دموعي بتتجمع في عيني.
لكن بلعتها بسرعة.
وقلت:
“لا يا ماما، ماتتعبيش بابا. أنا هاجي لوحدي. بس عندي شوية حاجات لازم أخلصها الأول.”
قفلت معاها.
وبعدها فتحت قائمة الأسماء في موبايلي.
فضلت أدور شوية.
لحد ما وصلت لاسم ماكلمتوش بقاله سنين.
كريم منصور.
كان زميلي في الجامعة.
ودلوقتي شريك في واحد من أكبر مكاتب المحاماة في جنوب المدينة.
ضغطت اتصال.
المكالمة اترد عليها بعد كام ثانية.
وجالي صوته المألوف:
“مريم؟”
قلت:
“كريم، محتاجة مساعدتك.”
سكت لحظة.
“في إيه؟”
قلت بمنتهى الثبات:
“عايزة أرفع قضية طلاق.”
ما سألنيش عن السبب.
ولا حاول ينصحني.
ولا قاللي اهدى.
بس قال:
“تمام.”
وبعدين أضاف:
“تعالي المكتب الساعة اتنين.”
“حاضر.”
قفلت المكالمة.
ركبت عربيتي.
وشغلت الموتور.
ومن خلال المراية بصيت على مبنى شركة الشناوي وهو بيبعد واحدة واحدة.
تلات سنين كاملة…
كنت فيها مجرد شخص مش موجود.
زوجة المدير العام، لكن من غير ما حد يعترف إني زوجته.
في حفلات آخر السنة، كنت دايمًا قاعدة في ركن بعيد.
وفي كل المناسبات الرسمية للشركة، كان مكاني في آخر الصفوف.
حتى أحمد نفسه…
ماقالش قدام الموظفين مرة واحدة:
“دي مراتي.”
لكن سارة…
كانت دايمًا موجودة جنبه.
واقفة في نفس المكان.
بتضحك بثقة.
بتتكلم مع الموظفين.
وبتظهر في كل مناسبة تقريبًا.
والأغرب من كل ده…
إنها كانت بتتصرف وكأنها هي صاحبة مكانة “مدام أحمد الشناوي”.
أما أنا…
فكان وجودي زي عدمه.
مكانة “زوجة المدير” دي…
أنا من البداية ماخدتهاش فعلًا.
وطالما هي كده…
خلاص.
أنا مش محتاجاها.
—
الساعة اتنين بالظبط، كنت قدام مكتب كريم منصور للمحاماة.
دخلت.
الموظفة رحبت بيا، وبعدها دخلتني المكتب.
كان كريم مستنيني.
أول ما شافني، قام من مكانه.
وأشار للكرسي قدامه.
“اقعدي.”
قعدت.
وحط قدامي كوب قهوة.
“أمريكانو… زي زمان.”
بصيت للكوباية.
وبعدين ابتسمت ابتسامة صغيرة.
مسكتها بين إيديا.
كريم فتح الملف قدامه، ورفع عينه ليا.
وقال:
“احكيلي كل حاجة من الأول.”
بصيتله للحظة.
وبعدين قلت:
“خلال تلات سنين جواز، أنا ما استخدمتش ولا جنيه واحد من فلوس أحمد.”
رفع حاجبه.
فكملت:
“ولا جنيه.”
“البيت اللي عايشين فيه… أغلب الحاجات اللي جواه من فلوسي.”
“وأي حاجة تخص أحمد، أنا مش عايزاها.”
كريم بدأ يكتب ملاحظات.
وسأل:
“طيب، بالنسبة للأملاك اللي كانت باسمك قبل الجواز؟”
رديت فورًا:
“أبويا اداني فيلا على النيل في شرق المدينة، وكانت جزء من جهازي.”
فتح كريم عينه شوية.
“الفيلات دي باسم مين؟”
قلت:
“باسمي أنا.”
سكت لحظة.
وبعدين قلت:
“وفي حاجة تانية لازم تعرفها…”………
«وفي حاجة تانية لازم تعرفها…»
رفع كريم قلمه وبص لي باهتمام شديد، كأنه كان حاسس إن المفاجأة الحقيقية لسه هتبدأ.
قلت وأنا باخد نفس عميق:
“شركة الشناوي نفسها… مش مجرد شركة عادية بالنسبة لأحمد، ولا هي ملكه لوحده بالكامل زي ما هو مفهم الكل.”
كريم اتعدل في قعدته وقرب من المكتب:
“قصدك إ ايه يا مريم؟ الشركة دي بتاعته هو وأهله، وعمره ما بطل يتفاخر إنه بناها بنفسه.”
هزيت راسي بالنفي وابتسمت بابتسامة باهتة:
“بناها بنفسه؟ دي جملة كان بيحب يقولها عشان يثبت لنفسه إنه رجل أعمال عصامي قدام الموظفين والمجتمع. الحقيقة إن رأس مال الشركة الأساسي اللي اتأسست بيه من سبع سنين، قبل ما نتجوز حتى، كان قرض كبير باسمي بضمان الفيلا اللي أبويا كتبهالي، وأحمد ماكانش معاها مليم وقتها. ده غير إن السجل التجاري والنسبة الأكبر من الأسهم الصامتة المسجلة باسم شريك استراتيجي… الشريك ده بيكون “أخويا الكبير”، اللي سافر برا واضطر يسيب اسمه مسجل عشان يحميه قانونياً وقت التأسيس.”
كريم صفر بصوت خفيف، وقال بجدية:
“يعني أحمد مش بس خانك عاطفياً وبعت في الباب… ده قاعد على كرسي مدير عام لشركة رأس مالها الحقيقي، وأساسها القانوني والمالي كله متعلق بيكي وبأهلك؟!”
“بالظبط كده،” رديت بهدوء تام، وكأن الحِمل اللي كان على كتافي تلات سنين بدأ يتزاح حتة حتة. “طوال التلات سنين اللي فاتوا، كنت ساكتة عشان أستر على بيتي وعشان ماأفتحش باب لخناقات ملهاش نهاية. كنت فاكرة إن إهماله ليا نقص خبرة في الحياة الزوجية، أو ضغط شغل، لكن إني أتحول لقطعة أثاث في بيته، ويتعامل معايا كأن وجودي عدم، دي خطوط حمراء هو بنفسه اللي اختار يكسرها بالطريقة الوسخة دي.”
كريم فتح درج مكتبه وطلع ورقة فاضية وقلم:
“اسمعيني كويس يا مريم. اللي عمله ده مش مجرد طلاق للضرر، دي قضية متكاملة. أولاً: هنسحب كل الأصول بتاعتك وبتاعت عائلتك اللي في إشراف الشركة. ثانياً: هنراجع عقود التأسيس ونفعل حصة أخوكي فوراً، وده معناه إننا نقدر نشيله من منصب المدير العام بقرار مجلس إدارة قانوني في أقل من أسبوع. ثالثاً: بالنسبة للرسالة اللي بعتيها على جروب الشغل، دي تعتبر إقرار ضمني منه ومن السكرتيرة، وهنستخدمها لصالحنا في إثبات الضرر المعنوي.”
بصيت لكريم وأنا حاسة ببرود غريب وسكينة أول مرة أعيشها:
“اعمل كل اللي تشوفه صح يا كريم، أنا مش عايزة منه لا حق ولا باطل، أنا بس عايزة أرجع حرة، وأرجع أحمد لحجمه الحقيقي اللي كان عليه قبل ما يدخل بيت أهلي.”
في نفس الوقت، وعلى بُعد كيلومترات قليلة، في الدور العالي من مبنى شركة الشناوي.
المكتب كله كان مقلوب رأسًا على عقب.
أحمد الشناوي كان واقف قدام الشباك الزجاجي الضخم، ووشه أصفر وعروقه بارزة، وموبايله في إيده بيكسر الشاشة من كتر الضغط عليه.
سارة كانت واقفة في ركن المكتب، إيديها بتترعش، ووشها باين عليه الرعب الصريح. الموظفين بره في الممرات كانوا بيتكلموا بصوت عالي كأنهم في سوق مش في شركة استثمارية كبرى.
دخل الأستاذ مجدي، مدير الشؤون الإدارية، المكتب من غير ما يخبط، ورمى شنط السفر الاتنين على الأرض قدام أحمد بعنف، وقال بصوت حاد:
“أستاذ أحمد! الموظفين كلهم تحت بيتكلموا عن الرسالة اللي اتبعتت بالليل، ومدام مريم لسه مسبتش شنط هدومك وكارت الدخول وكمان… ملف الطلاق هنا على مكتب الريسبشن!”
أحمد التفت بحدة، وعينيه طايرة من العصبية، وزعق بصوت مسموع بره المكتب:
“مراتي مجنونة! دي واحدة أكيد اتجننت! سارة، اخرجي بره دلوقتي!”
سارة جريت لبره وهي منهارة، بينما أحمد مسك ملف الطلاق اللي جابه مجدي، وفتحه بإيد بتترعش. أول ما شاف الشروط وتوقيع المحامي، حس إن الأرض بتدور بيه.
مجدي كمل بكلام نزل على أحمد كالصاعقة:
“مش دي المشكلة وبس يا أستاذ أحمد… من نص ساعة، المحامي الخاص بعيلة مدام مريم اتصل بمجلس الإدارة، وبلغنا رسمي إن رصيد الشركة البنكي المرتبط بقرض التأسيس القديم تم تجميده بناءً على طلب الشريك الرئيسي… أخوها.”
أحمد فتح بوقه بصدمة، ووقع الملف من إيده على الأرض، وهو بينطق بصوت مسحوب:
“تجميد… إزاي؟!”
مجدي بص له نظرة كلها شفقة وسخرية في نفس الوقت:
“شكل السكرتيرة بتاعتك يا أستاذ أحمد هتكون أول واحدة تدفع ثمن قعدتك معاها بره البيت، بس للأسف، الشركة كلها هي اللي هتقفل معاك.”
في اللحظة دي، تليفون مكتب أحمد الأرضي رن إصراراً وغضبًا.
أحمد بص للموبايل اللي بيرن، وللشنط اللي على الأرض، وللمبنى اللي بيموت قدام عينه، ولسه ماعرفش إن دي كانت مجرد بداية النهاية.
ياترى إيه الخطوة اللي هتعملها مريم مع أهل أحمد اللي بدأوا يتصلوا بيها؟ وهل أحمد هيحاول يستعطفها، ولا الحرب بينهم لسه في أولها؟




