
يا سلام.. لدرجة إنها بتبرر وجود أختي عندي في الشقة وهي بتعمل شغل البيت على إنه “مساعدة حب واختيار”، وكأن أختي هي اللي جاية تتسول رضاها!
ـ “حاضر يا أم فلان، هجيبها وأنا جاي.” قفلت السكة وأنا حاسس بنار بتولع في صدري.
بعد العشاء، طلعت على البيت، فتحت الباب بالمفتاح وبهدوء دخلت الصالة. كانت قاعدة قدام التلفزيون بتاكل فواكه، وبمجرد ما شافتني قامت بسرعة استقبلتني بابتسامة مصطنعة وحضن:
ـ “حمد لله على السلامة يا حبيبي.. خلصت شغلك بدري؟”
ـ “الله يسلمك.. أه خلصت.”
دخلت غيرت هدومي وقعدت على الكنبة، وهي دخلت المطبخ تجيب لي العصير. قعدت قدامي وقالت ببرود:
ـ “على فكرة بقى يا أبو حميد.. أختك دي غلبة قوي، النهجان تعبتها وهي بتغسل معايا السجاجيد، مع إنها بتاخد مني الـ ٢٠٠٠ جنيه كل شهر بكل أريحية، بس برضه صعبت عليا، فاديتها علبة ثلاجة فيها أكل من اللي عملناه إمبارح.”
بصيت لها وكنت مذهول من قدرتها على إخفاء الحقيقة. قررت ألعب اللعبة صح، ومن غير عصبية عشان أواجهها بكل الأدلة.
ـ “بقولك إيه يا أم فلان.. تعالي نقعد نتكلم شوية في حسابات السنة اللي فاتت دي كلها.”
ـ “حسابات إيه يا راجل أنت؟ هو أنا بقيت شركة ولا إيه؟” ضحكت ضحكة خفيفة وهي بتقعد جنبي.
ـ “لا مش شركة.. بس أنا راجع وعندي رغبة أعمل جرد لحسابات البيت اللي كنت ببعتها، أصل ورايا مصاريف كتير الفترة الجاية، وعايز أعرف كل قرش راح فين.”
ـ “يا سلام! الفلوس راحت في البيت والأكل والمصاريف وأنت عارف الغلاء عامل إزاي.”
ـ “أكيد طبعا الغلاء صعب.. بس تعالي نمسك ورقة وقلم ونحسب، أنا كنت ببعت كام لأختي؟”
ـ “زي ما اتفقنا.. الـ ٢٠٠٠ جنيه بتوع شغلها معايا.”
ـ “ثانية واحدة.. أنا كنت ببعت كام في التحويلة الشهرية الكلية؟”
ـ “كنت ببعت مصروف البيت كله شامل أجرها.”
ـ “لا، فكريني كويس.. أنا كنت ببعت ٦٠٠٠ جنيه كل شهر، ٤٠٠٠ منهم مخصصين لأختي وظروفها الصعبة اللي كنت بكلمك عليها وتأكدي عليّ إنك سلمتيهملها بنفسك، و٢٠٠٠ جنيه تانيين ليكي مصروف شخصي.”
هنا وشها خطف لون تاني، وبدأت ابتسامتها تترعش:
ـ “أنت.. أنت بتقول إيه؟ لا.. إنت كنت بتبعت ٤٠٠٠ إجمالي للكل، مش أكتر من كده!”
ـ “متأكدة يا أم فلان؟” طلعت التليفون وفتحت رسائل البنك وسجل الحوالات كلها، وحطيت الشاشة قدام عينيها بالضبط: “دي تحويلات شهر يناير، فبراير، مارس، وكل الشهور.. كل شهر ٦ آلاف صافي، منهم أربعة متفق بينهم وبينك بالصوت والصورة في رسايل الواتساب إنهم رايحين لأختي مساعدة ليها ولعيالها.”
بلعت ريقها بصعوبة، وعينيها وسعت من الخضة، وبدأت تتبدل ملامحها:
ـ “أنا.. أصل.. أصل…”
ـ “أصل إيه؟ كملي.. كنتي بتقولي لأختي إن أنا ببعت لها ٢٠٠٠ بس، وتاخديهم منها كأجر على تنظيف الشقة وتخدمتك، وتسيبي الـ ٢٠٠٠ التانيين في جيبك، ده غير الـ ٤٠٠٠ التانيين اللي كنت بتاكليهم أساسا؟ ولا أقولك.. اللبس اللي كنت ببعته لولاد أختي.. راح فين؟”
ـ “أنا ما أخدتش حاجة! أختك هي اللي كانت بتقولي أنا راضية بالمرتب ده وشكراً لأخوكِ!” صرخت بصوت عالي وهي بتحاول تدافع عن نفسها.
ـ “أختي؟” وقفت من على الكنبة بصوت قوي جعلها تتراجع للخلف: “أختي أنا قابلتها النهاردة الصبح يا هانم.. قبل ما تقوليلي إنها كانت بتساعدك بمحبتها! أنا شفتها وهي على ركبتيها بتغسل السجاجيد وأنتي قاعدة في البلكونة بتشربي نسكافيه.. وأنتي بنفسك لسة قايلالي حالا إنها بتاخد منك الـ ٢٠٠٠ جنيه كل شهر كأجر!”
اتصدمت صدمة كبيرة، وبان على وشها الخوف التام، لأنها فهمت إن كل حاجة انكشفت وإني كنت موجود وعارف كل كبيرة وصغيرة.
ـ “أنت.. أنت كنت هنا؟” سألت بصوت هامس ومرعوب.
ـ “أه كنت هنا.. ونزلت من السفر على شقتي على طول وشفت كل حاجة بعيني.. وشفت جارنا لما قابلني تحت وقالي الكلام اللي كان بيتقال في الخفاء عني وعن مراتي.”
قعدت على الكرسي وهي بتحاول تبرر: “والله العظيم ما قصدي.. الغلاء والفلوس كانت بتخلص في البيت بسرعة و…”
ـ “بس.. ولا كلمة زيادة!” قاطعتها بصوت حاد وحازم خلّاها تسكت فورا: “اسمعي كويس.. اللي أنتي عملتيه ده أثر جداً على أختي اللي كنت ببعت لها عشان أسترها، وأنتي حولتيها لتعمل في ظروف غير مناسبة بفلوسي وباسمي!”
سكت شوية وبصيت لها بنظرة أخيرة، وقولت لها القرار اللي مش هراجعه أبدا:
ـ “من النهاردة.. كل مليم انتي أخذتيه من حق أختي هيرجع لها كاملاً، وفلوس البيت اللي جاية هتتوزع بحساب تاني خالص، وأنا قاعد هنا في مصر ومش مسافر تاني غير لما أعلمك إزاي تحترمي حقوق الناس وتكوني أمينة.. ولو فكرتي تفتحي بقك بكلمة بحرف واحد قدام أهلها أو أهلي، هيكون لي تصرف تاني خالص معاكي.”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




