روايات وقصص

أم جوزي بعتتلي رسالة على الخاص: 1

وراه.. حد كان ابتدى يدور على اسم عيلتي على موبايله

واللي ظهر على الشاشة.. خلى الأوضة كلها سكوت تام

البيت كان هادئاً، هدوءاً ثقيلاً ومختلفاً عن صمت الشقق الصغيرة المشحونة بالغضب والتجاهل. هواء عتيق ومألوف يمر عبر ممرات القصر القديم، يحمل معه روائح الخشب المصقول والعطور الهادئة التي لم تتبدل منذ سنوات طفولتي.

وقفت في منتصف الغرفة التي تحولت وكأنها سحرًا إلى حضن دافئ لرضيعة لم تفتح عينيها بعد على قسوة العالم. سرير أبيض صغير، مفرش من القطن الفاخر، وإضاءة خافتة تحيط بالمكان وكأنها تحرس سلامنا المؤقت. وضعت طفلتي برفق، وأنا أتنفس بعمق للمرة الأولى منذ أيام. أسورة المستشفى التي كانت تحيط بمعصمي شعرتُ وكأنها بدأت تذوب وتفقد قسوتها وسط هذا الأمان المفاجئ.

فتحت حقيبتي ببطء، وأخرجت الجواب الثقيل ذي اللون الكريمي. مفتاح نحاس قديم يتدلى منه خط أبي الواضح: *”أوضة بنتي”*. وجملته الأخرى التي كادت أن تكسر آخر جدار من الصلابة بنيته طوال سنوات القطيعة: *”أوضتك جاهزة.. وكل حاجة تانية تستنى لحد ما تبقي كويسة”*.

لم أتمالك نفسي، فجلست على حافة السرير، ودموع النجاة تسيل بصمت على وجنتي. ليس ضعفاً، بل هو ذلك الشعور الغريب بأن هناك من كان ينتظرني في الظل طوال الوقت، حتى عندما اخترت أن أغيب.

على الجانب الآخر، في المطبخ الصغير ببيتي الذي تركته للتو، كانت الأجوار مشحونة بكهرباء التوتر.

جوزي وقف طويلاً أمام الورقة التي تركتها على الرخام. أحرفي البسيطة كانت تصرخ في وجهه بصمت. أمه وأخته كانتا تقفان خلفه، تراقبان ملامحه المتغيرة. الصمت الذي ساد الغرفة لم يكن صمت راحة، بل صمت الرعب الذي يسبق العاصفة عندما يدرك الإنسان أنه فقد السيطرة تماماً.

مد يده المرتجفة إلى هاتفه. فتح سجل المكالمات الطويل، وتحديداً ذلك الرقم الذي خزنه قبل سنوات طويلة ولم يقم باتصاله ولو لمرة واحدة. الرقم الذي كان يراه مجرد “بروتوكول” اجتماعي، أو رقم طوارئ قديم لا قيمة له.

ضغط على زر الاتصال.

كان يتوقع أن يرد عليه شخص عادي، أو ربما سكرتير مرتبك، أو أن يذهب الهاتف إلى البريد الصوتي. لكن الخط لم يكاد يرن مرتين حتى جاء رد فوري، حازم، وهادئ بشكل مرعب:

“بيت العيلة.”

تجمدت أصابع جوزي على الهاتف. تردد لثانية، وكأن عقله لم يستوعب الكلمة.

“بيت مين؟” سأل بصوت خافت، يفتقر إلى الثقة التي كان يتحدث بها قبل ساعة على طاولة العشاء.

جاءه الصوت من الطرف الآخر للخط، رسمياً، منضبطاً، وخالياً من أي ود:

“أيوه يا فندم.. مع حضرتك.. أقدر أساعدك ازاي؟”

التفت جوزي بسرعة نحو أمه وأخته. كانت نظراتهما تسأله عما يحدث. أعاد إمساك الهاتف وكأنه يحاول استرجاع هيبته المفقودة:

“أنا بدور على مراتي.”

الرجل على الناحية الثانية لم يتفاجأ، ولم يظهر أي تعاطف. جاء رده كالبرق، قاطعاً وهادئاً:

“الهانم وبنتها نايمين يا فندم.. ومش متاح مقابلة حد النهاردة.”

انقطع نفس جوزي لثانية كاملة. الكبرياء الذي عاش عليه، والاعتقاد بأنه سيد الموقف دائماً، انهار فجأة أمام كلمة “الهانم نايمة”.

في تلك اللحظة بالذات، وخلفه مباشرة، كانت أخته قد فتحت للتو هاتفها المحمول، وبدأت تبحث بعجلة عن اسم عائلتي الكامل على الإنترنت، ربما لتخفف من حدة التوتر أو لتفهم طبيعة المكان الذي ذهبت إليه ابنة “الناس البسطاء” كما كانت أمه تلمح دائماً.

لكن ما ظهر على شاشة هاتف الأخت… جعل الأوضة كلها تدخل في صمت مطبق.

على الشاشة، لم تكن مجرد نتائج بحث عادية. ظهرت تقارير اقتصادية، وأخبار لشركات مقاولات كبرى، وصور قديمة وحديثة لمجموعة شركات “العز العرب” للاستثمار والعقارات، وتحديداً اسم أبي، الرجل الذي كان يتردد اسمه في كبرى الصحف الاقتصادية والذي قرر لسنوات طويلة أن يبتعد عن الأضواء ويبتعد عني أنا شخصياً بسبب اختياري للزواج من رجل لم يكن يراه مناسباً، لكنه ظل يراقب من بعيد.

أمه رأت الشاشة من فوق كتف ابنتها.

سقطت الشوكة التي كانت بيدها على الأرض بصوت حاد، وكأنها طلقة رصاص في مكان مغلق.

قالت أمه بصوت متحشرج، وقد فقدت تماماً غرورها المتعجرف:

“دي… دي عيلة… دي عيلة العز العرب؟!”

لم يقم جوزي بالرد. كان يحدق في الشاشة، ثم في ورقة المطبخ التي تركته عليها، ثم في مفتاح بيتي الذي كان موضوعاً فوقها. أدرك فجأة، وبشكل متأخر ومؤلم، أن الشهور الماضية التي كان يتعامل فيها معي بتعجرف وتهميش، وأن ليلة العشاء التي لم يُحسب فيها حساب لزوجته ولا لطفلته عمرها 6 أيام، لم تكن مجرد تفاصيل عادية، بل كانت بداية النهاية لعالم مزيف بناه على حساب تقليل شأني.

في الصباح التالي، أيقظني صوت ضوء الشمس الهادئ وهو يتسلل عبر الستائر البيضاء الناعمة. طفلتي كانت تنفس بانتظام وعمق بجانبي.

باب الغرفة طرق بهدوء شديد، ثم فتح باباً نصف فتحه ظهر منه وجه أبي. شعره الأبيض الذي يزيد من هيبته، وعيناه اللتان كانتا تحملان عتاب السنين قبل أن تحملا حب الجد الجديد.

دخل بخطوات بطيئة، وقف لثانية ينظر إلى الطفلة النائمة، ثم نظر إليّ وبابتسامة صغيرة بالكاد ظهرت على وجهه قال:

“صباح الخير يا أم البطلة.. مرتاحة في أوضتك؟”

هزيت رأسي، ودموع الارتياح تجمعت في عيني مجدداً:

“كأنها لم تكن بعيدة قط يا بابا.”

اقترب، وجلس على كرسي بجانب السرير، ووضع يده الكبيرة الدافئة على يدي:

“اللي فات كله مات يا بنتي.. واللي جاي، محدش يقدر يمس شعرة منك إنتي ولا بنتك طول ما أنا عايش.. فونك بيرن من بدري، تليفونك الشخصي.”

نظرت إلى الكومودينو، حيث كان هاتفي يعرض اسم جوزي يتصل للمرة المئة منذ البارحة.

قال أبي بهدوء، وهو يقف ليتجه نحو الباب:

“سيبه يرن… أو ردّي وخليه يعرف إن اللعبة اتغيرت قواعدها.”

فتحت الخط، ووضعت الهاتف على أذنك بدون أن أنطق بكلمة واحدة.

جاء صوته من الطرف الآخر، وكان مختلفاً تماماً عن كل مرة سمعته فيها. لم يكن هناك غرور، ولا تعالي، بل كان صوتاً لهاثاً، مرعوباً، ومحطماً:

“أرجوكِ… ارجعي البيت.. أمي مسافرة بكرة زي ما قلتِ، وأنا… أنا مش متخيل البيت من غيرك ومن غير بنتي.”

بقيت ساكنة لثانية، أنظر من الشباك الواسع نحو الحديقة الكبيرة حيث كان الحراس والعمال يتحركون باحترام، وحيث كانت سيارتي الخاصة مركونة في الجراج الفسيح بكل رفاهية، بينما هو جالس في بيته الصغير يدرك لأول مرة قيمة ما فرط فيه.

قلت بصوت هادئ وثابت تماماً، صوت لم يعد يخشى شيئاً:

“البيت اللي كنت فيه يا فلان… مكنش بيتي أصلاً.. كان مكان أنا ضيفة فيه على غفلة.”

“لأ.. ده بيتك.. وانتي الملكة فيه!” قال بصوت يكاد يختنق.

“الملكة لا تقبل أن تكون على مائدة لا يوجد لها فيها كرسي يا ابن فلان” قلتها ببرود قاطع. “أما عن البيبي وعني… فنحن لسنا في حاجة لعشاء عائلي مزيف، ولا لأسرة تتذكرنا فقط عندما تكتمل كراسيها بلا فائدة.”

“طب باباكي… كلميني عن باباكي.. أنا مستعد أجري وراه وأعتذر له قدام الكل!”

ابتسمت بمرارة، وأنا أرى أبي يقف عند الباب يبتسم لي اطمئناناً:

“أبويا؟ أبويا منسانيش يا فلان… حتى لما أنا نسيت نفسي مع واحد مكنش بيقدر قيمتي. واعتذارك ده… خليه لنفسك ولأهلك، يمكن تحتاجوه لما تبقوا لوحدكم على ترابيزة السفرة.”

“استني.. أرجوكي…”

قفلت الخط.

وضعت الهاتف على الطاولة، وأغلقت الشاشة نهائياً. التفت نحو طفلتي التي بدأت تتثاءب برقة، ومددت يدي لأحملها بين أحضاني. الحكاية لم تنتهِ هنا، بل كانت قد بدأت للتو، وكانت هذه المرة… مكتوبة بقلمي أنا وحدي.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى